تصاريف الشر

سامي داوود

بدأ الإحراج الأخلاقي المرتبط بالعنف مع تجارب ستانلي ميلغرام( 1963) الذي نشر مقال بعنوان " دراسة سلوكية للطاعة " بعد تجاربه المعروفة بـ اختبار ميلغرام،والتي اختبر فيها إمكانية أن يقوم أشخاص أسوياء بأمور لا أخلاقية. دون أن يربط ذلك بنزوع سادي. كمحاولة منه في فهم الأسس الاجتماعية الخفية التي يمكنها أن تنتج " آيختمان"* في كل شخص سوي و تجعله مستعدا للقيام بالشر دون رادع قيمي. الجدل الذي أحدثه ميلغرام أثمر مشروعا مكملا لتصوره حول الشر في تجارب" فيليب زيمباردو" المعروفة بـ باختبارسجنستانفورد(1971) التي جردت الأشخاص من وجود سلطة خارجية تأمره بإتيان العنف. حرية الشر كانت كاملة و التجارب توقفت لأسباب كانت لها علاقة بالمغالاة في ابتكار سبل التعذيب بين المتطوعين. و جاءت خلاصتها وفقا لزيمبادور و ميلغراملتؤكد أن فساد التنظيم الاجتماعي يؤدي إلى استيقاظ الوحشية في كل فرد يخضع لظروف غير روتينية. ما الذي يخبتر المبدأ الأخلاقي إذن إن كانت أفعالنا مجردة من المسؤولية بذريعة الحرب.
ثمة نماذج تفسيرية متعددة تتنازع لفهم فداحة العنف الذي يهندس المدى الإجرامي الذي بلغته القوى التقليدية السياسية و الدينية في واقعنا المعاصر. لا أرجحية لنموذج تفسيري على آخر. كلها محاولات تكيفية للتورية أو للهتك. القوى التقليدية وفقا لنيتشه تستهلك الله و الشعب لتكريس الذات. وما من قضية حقيقية تتبناها هذه القوى وتتفق مع الكوجيتو الثوري الذي قدمه آلبير كامو لجعل الفعل الشخصي حاملا للخير العام. و المتمثل في " أنا أتمرد إذن نحن موجودون". لأنه يؤسس شرعية العنف على المبدأ الأخلاقي. و هو ما لا تفهمه و لا تريده جميع القوى التقليدية التي حوَّلت مجتمعاتنا إلى قرابين و مهاجرين.
يعتقد كامو أن عقيدة الموت ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية كنتيجة لهستيريا العسكرة التي دمرت أوربا. مشيرا إلى شعار" يحيى الموت" الذي ارتبط بصيحة لجندي في كتائب فرانكو التي كانت تعتقد أنها ستقيم حكم الملك المسيح. إلا أن التحليل يعيد هذا الشعار إلى الثورة الفرنسية و التمجيد الذي رافقها للعنف الممتدح بالمبادئ الرحيمة. ممهدة السبيل لتعميق التناقض في مواقف دعاة التنوير الذين لم يجدوا حرجا في " ضرب الناس لمصلحتهم " وفقا لصيغة بودلير. ربما لذلك تأتي بعض المقاربات لتقارن بين الظروف التي وجدت آناء و بعد الحرب العالمية الثانية و المجتمعات التي دمرها الربيع العربي. يستعيد مثلا عالم الاجتماع البولندي" زيغمونت باومان" فكرة خلو العرش التي طرحها غرامشي في سياق التاريخ الأوربي حصرا. و التي تعني انتهاء النظام القديم بأفكاره و عدم ظهور افكار جديدة. لتقييم قضيتين: أولا العمى الأخلاقي الذي تبوبه أوربا أمام المهاجرين إليها. و ثانيا حالة العنف الذي يجعل المجتمعات التي ابتليت بأنظمة فاسدة و ربيع مدمر تلتهم حرفيا ذاتها.
يؤسَس العنف و يتمأسس في النسيج المجتمعي على عدة خطوط. شرخ مجتمعي حدي يعزل هذا عن ذاك بناءا على أوهام كرَّسها الدم و بجلها. هجرة تراجيدية تحول اليأس إلى هوية. و نسيان فادح للمجتمعات المتبقية تحت رحمة المليشيات و بنادق صبيانها الجهلة.
ما الذي يحتاجه المجتمع ليجعل من الشر عقيدة له.؟ زيف أخلاقي حاد يدعي إنتاج مجتمع متجانس وفقا لتصور نرجسي لقائد ما. و قائد يمارس دور الإله. و جماهير جاهلة و جاهزة لتمارس دورها الوظيفي في أن تكون أضاحي عقائدية.
بناءا عليه لا أعتقد بأن مقاربة العنف الإفتراسي الذي يدمر مجتمعاتنا ليؤسس من حطامها فردوسا مفقودا و باطلا في آن. بما كان يحدث في المجتمع الأوربي كاف لفهم ما يحدث لنا الآن. تلك المعرفة لا تخبرنا كيف يحدث ما يحدث الآن.


ئەم بابەتە 7 جار خوێندراوەتەوە
بابەتی لەیەکچوو