السرد كنسق اضطهاد أو حين ينحّي الهامش المتن جانباً

ابراهيم محمود

أتحدث عن قضية إشكالية اللغة والناطق بها ومن يكون، رغم كامل المعرفة بأن ليس من قضية تخلو من إشكالية، وهي قائمة مهما أنيرت: تاريخ َمفهوم ومصطلح، سوى أن الحديث عنها بداية غيره نهايةً. ثمة الجانب الثقافي عموماً والايديولوجي خصوصاً، وحيث إن اللغة تعني جماعة اثنية محدودة العدد أو كثيرته، سوى أنها متخمَة بتصورات الآخر دائماً رغم التفاوت في الاعتبار الزماني- المكاني، وطريقة تعاطي هذه اللغة أو تلك، وهي أكثر من إشكالية هنا.

في الموضوع المعنوَن أعلاه، ربما ثمة غرابة في التوضيح وليس في الحامل له عنواناً، والفراغ الذي يلي كل جانب. إن معايشة اللغة ذاتها كانت وراء كتابته هكذا.

فالسرد بنية لغوية، واللغة ذاتها ينظَر إليها سرداً في تشكيلها وتدفقها وتحولها وتعرضها لصدمات وانتكاسات واختزال ومساءلات ومن خلالها بالذات، كما هو شأن الصلات بين المعقول واللامعقول، إذ كلاهما من العقل، وما اللغة إلا هذه الكينونة التي تصلنا بها بقدر ما تبرز مستقلة، كسرد يعرَف بتاريخ يصلنا ببداية ما، ويستمر بلا انقطاع، ولعله بطريقته هذه لا يخفي طابع النسق الضامن لتيمة اضطهاد، أي المتن الذي يتراءى في الواجهة، ليكون الانقلاب عليه بمثابة توقيفاً وإيقافاً، ومحاولة تغيير في البنية، كما هو المتَّبع في العلاقة بين المتن حامل السرد والمميَّز بنسق ثقافة، والهامش الذي يعلِم بثقافة أخرى، أي ما يخرِج السرد من خاصيته السردية،  وينحّي المتن استجابة لرغبة ممثّل الهامش.

تدخل اللغة ذاتها في صراع مع ذاتها، وتبقى اللغة لاحقاً، وهي تحمل آثار الصراع تعبيراً عن وضع تاريخي قائم لا يمكن التنكر له وإن اختلفت التسميات والخطاطات التي تشير إليها بطرق شتى تعبيراً عن المتغيرات والمستجدات.

إزاء هذا المتقدَّم به، يمكن التوقف عند ثلاثة نماذج، هي مستويات لغوية ولكنها تسمّي أشخاصاً، استحالوا شخصيات مفهومية من خلال مشاهد أو نوعية الذين يمثلونهم أو يستحضرونهم في أحاديثهم وفي مناسبات وأمكنة وأزمنة مختلفة، أي من خلال المسمَّى أكثر من انقلاب وربما ثورة حيث الهامش هو المتكلم وعلى المتن أن يصغي أو يأتمر به، وتحديداً من خلال من سمّيتهم هنا غرباء اللغة الثلاثة، رغم ارتباطهم القوي والحميم، وعلى طريقتهم باللغة بالذات:

في المستوى الأول لدينا جاك دريدا الذي كان يعرف الفرنسية أكثر من كثير من الفرنسيين أنفسهم ويعتمدها في الكتابة التفكيكية التي تميَّز بها، ومن السهل هنا اعتبار التفكيك، ومن خلال الدال عليه تمرداً على السرد بوضعه السيادي وإحلالاً لهامش منزوع السلطة واعتباره سيستاماً في التفكير والمعاملة، ولكنه ، رغم شهرته اللغوية، كان يعتبر أن الفرنسية ليست لغته، وقد عُرِف بها.كان غريبها وهو عجيبها بصورة ما إزاء تحديده لموقعه فيها ومنها.

في المثال الثاني أو المستوى الآخر، لدينا المفكر والناقد والأديب المغربي القدير عبدالكبير الخطيبي، الذي كان يعرف العربية، إنما دون الفرنسية لغة لكتابته التي عرِف بها أكثر وبامتياز، وهو الجامعي والمحاور والمناقش لأهل اللغة التي كتبوا بها قبل كل شيء" ليكون ممثّل الهامش المقصي: الغريب، في مواجهة المتن السيادي: المتروبولي، ومهدد سرده الامبريالي بالمعنى الواسع للكلمة " بقدر ما يكون مجسّد الهامش الآخر في الثقافتين: المعتبَرة العالمة والشعبية، في مغربه خصوصاً، ضداً على متن أريدَ له تأبيداً، وفعل ذلك في اللغة السائدة ولو عبْر لغة وسيطة معتمدة اشتهِر بها: الفرنسية.

ويبقى الكُردي المجرَّد من صفة كائن يُعلَم بذاته ليقف إزاء لغته، رغم أنه يعرِفها، ولكنه لا يعرِفها إن واجهناه بالكُردية كلغة محددة مميَّزة ومتَّفق عليها يتكلمها عشرات ملايينها، كحال العربية الفصحى تماماً، يبقى المثال العام ومغزاه.

ربما جاز الاعتراض على هذا القياس، وتحديداً في المثال الثالث" مثلاً " كان يمكن ذكر أي كاتب كُردي له مكانته، لا يعرِف الكُردية، أو تكون ملحقة به ولا تتقدمه" كأن يكون سليم بركات، أوضح مثال هنا، لكن بركات لا يظهِر أنه يعرف الكردية وإن كان معرَّفاً بها، ويعرفها، وإن لم يتكلم بها علانية أحياناً " إن أسماء الكثير من شخصياته الكردية في روايات مميزة له، كما سنرى، تقول بذلك "، ووضْع الكردي دون تحديد له مغزاه باعتبار غريب لغته، ربما، أكثر من غيره.

تطرح مقولة" غرباء اللغة الثلاثة"  في مضمار العنوان الأبرز قضية السرد الذي يلعب دور واضعه التاريخي السيادي ومكر التمثيل، حيث يأتي النسق معيارياً "، وخللَ إشكالية العلاقة مع اللغة، وموقعه منه، ومقام اللغة الاجتماعي والتاريخي والأدبي، مع التأكيد بالمقابل على أن البدء بالهامش المطوَّح به كثيراً، وتحت وطأة الشعور بالاضطهاد، ربما يؤدي إلى استبداده أحياناً، لنكون إزاء اضطهاد معكوس، تجاوباً مع شعور تاريخي متراكم واحتقان نفسي ثقافي المنشأ في الصميم، ربما كنوع من الانتقام المشروع، إلى درجة اعتبار كل ما يلحَق بالمتن مبرَّراً، ليكون سرداً من نوع آخر، وهو ما يقرّبنا أكثر من مركزة عنف تحول دون رؤية " العدو" الفعلي، إنما تضخيمه لشرعنة كل عنف ضده.

إذاً، تقدّم هذه المقولة ثلاثة مستويات، تتمحور حول ما يعرِف فرويدياً بـ" الغرابة المقلقة "، وهي تشكل دائرة لا تنغلق، بقدر ما تترك الباب مفتوحاً لوجود تشكيلات أو مستويات أخرى، سوى أنها تندرج في نطاق المستويات السالفة الذكر.

عشرات الأطروحات الجامعية وأكثر، مئات الدراسات المخصصة أو جزئياً وضِعت حول دريدا الفرنسي اللافرنسي بلسانه، أي باعترافه هو، وهو حاضر في أمكنة مختلفة من العالم.

دراسات ومقالات ألّفت حول الخطيبي، إلى جانب الأطروحات الجامعية، وحاضر في أكثر من مكان: في فرنسا وغيرها.

مئات الكتب وضِعت حول الكُردي باعتباره موضوع الآخر، وهو ممزَّق سياسياً، فتبعت لغته هذا التمزق، وبدا كاتبها" وفي مضمار العربية كمثال توضيحي هنا "، غريب لغته، حتى وهو يتقنها، لكنها اللغة: اللهجة، أما وهو متكلم العربية، فإن إشكالية العلاقة تتبدى بحاملها الإيديولوجيا حيث وزْر الكولونيالية والإرث المريع لصورة الآخر: الكردي عربياً، وهنا يحضر سليم بركات: فاتن العربية كلغة، وموضوع أكثر من أطروحة جامعية، إنما خارج البلد الذي ينتمي إليه، والمحظور التعرض له على المستوى الجامعي عربياً في الغالب على خلفية الانتماء رغم براعة النطق بالعربية: شعراً ونثراً، والجاري تغييبه أو حجبه عربياً هنا وهناك، إذ لم نسمع بدعوات أو لقاءات أو سواها لتخفيف وطأة الغرابة هذه. إن الفرق كبير جداً جداً بين أن يُعرف أحدهم بلغته ويعترَف بها، ويتكلم بسواها ويكتب بها، وألا يعرف لغته جرّاء عنف الآخر في لغة تتهدده أو تتوعده، أو لا يعرفها، ويقيم في لغة الآخر الغريبَ تباعاً غالباً !

 

لقاء الغرباء الثلاثة وتوزعهم

آصرة القربى بين غرباء اللغة الثلاثة، ممكنة الطرح، من خلال قرائن تنسّب كاتبها أو المعني بها إليها، رغم التشديد بداية، وكما سنرى، على تفاوت مستويات الغرابة بينهم:

ثمة هم مشترك بين الأمثلة المذكورة، لكن الفارق بين مثال وآخر، يصل إلى درجة نفي أي قرابة أو علاقة: جاك دريدا اليهودي أصلاً، الفرنسي جنسية، والمحاضر في جهات عالمية، متكلم الفرنسية والانكليزية والعارف بأكثر من لغة، ومنها لغته الأم: العبرية، كان مُعطى الحقوق، وهو يتعرض لثقافة غربية كاملة برموز مميَّزة فيها: فرنسية وغيرها، وكان يبتغي شيئاً واحداً من وراء كل ذلك: كيفية إعادة ما أسمّيه بـ" شرعية " النظام الذي عمل من أجله طوال عمره الكتابي: حق الكتابة السابقة على الشفاهة وجوداً، وما يمّرَّر من مؤثرات تخضع كل الذين تناولهم تفكيكياً: ديكارت،هوسرل، هيدجر، جون سيرل، لاكان...الخ، وحتى الذين برزوا على الهامش ذات يوم لكنهم اُعتبروا مواطني المتن تدريجياً: فرويد اليهودي بالذات، فوكو، التوسير...الخ، كما لو أنه كان يقول بملء فمه: هذه اللغة التي تتحدثون بها لغة امبريالية بمعنى ما، بنسقها المعروف بالاضطهاد، ويجب إيقاف سردها تمهيداً لعلاقة أخرى مستقدمة من الخارج: لامعقول العقل يصبح معقوله: هامشه الفلسفي المشاكس لمتنه الثقافي !

لعله انتقام من تاريخ أريد له الظهور عبر يهودية مفلترة تخرج من دائرتها، وكأنه أيضاً يرفض الأبوية التي أفصح عنها فرويد بالذات أوديبياً، وأقصاها عن نفسه، كما في كتابه( أحادية لغة الآخر )، وهو يقول

( ليس لي إلا لغة واحدة، والحال هي أنها ليست لغتي..) 1 .

في المؤلَّف نفسه يشير إلى الخطيبي توأمُه في المعاناة، ولكن الفارق يبقى جلياً، حيث الخطيبي ينتمي إلى ثقافة لها أصولها الموغلة في القدم: العربية التي يسمّيها في مؤلفاته، والفرنسية لغة مستعمره كانت ذات يوم، ولما يزل يعتمدها، وهو الذي يعرَّف بنفسه" عاشق اللغتين": الفرنسية والعربية. متى كان عاشق اللغتين بذات التساوي؟2  كان لديه شعور كارثي بأنه يعاني من مركزة الأنا الامبريالية: الأوربية الفرنسية، والثقافة التي ينطلق منها والقيّمين عليها كولونيالياً، كما هو أساس نقده المعروف( النقد المزدوج)، ودعوته إلى إيقاف سرد عمِل بموجب سيستامه طويلاً، وتدشين آخر ضامن البقاء مستقبلاً، في مقدمة الكتاب في الحوار الذي أجري معه( المغرب أفقاً للفكر)، وثمة موتى يحكمون، فالهامش ملحٌّ عليه هنا في اللغتين 3 .

ولا أدل على هذه الممارسة المركبة في سرد مستدعى سريعاً من تفكيك مواز لنظيره الفرنسي، في ( الاسم العربي الجريح)، ودلالة الجرح، لتكون الثقافة الشعبية، وكما هو اسمها صداً لمتن طاغ ٍ، ورداً لحق هامش معنَّى 4 .

ماذا عن الغريب الآخر في هامشه الذي بالكاد يلاحَظ، ومتنه الذي يكاد يغطي أفق الرؤية التاريخية والاجتماعية؟

أتحدث عن الكردي على العموم، وليس من كردي مستثنى هنا. ربما يقال في الحال أن شعوراً بالاضطهاد يكمن وراء هذا التعميم، ولكن كيف يبرّر انقسام الكردي على نفسه؟ إنه يتكلم لغة تعنيه: الكردية، ورغم ذلك فثمة من يعتبرها خليط لغات، دون تاريخ، هجنة سالبة، كون الهجنة بمفهومها المعتاد في الثقافة حالة صحية( أشير إلى الهجنة التي تحدَّث عنها ادوارد سعيد في " الثقافة والامبريالية" نوعاً من التثاقف والتشارك في المصائر الجامعة للبشرية)، وهي لا تعنيه، وإن عُرف بها، لأن ليس من لغة واحدة موحَّدة، وهذا يعود إلى تعدد وجوه البطريارك المحلي والعالمي: الامبريالي حتى اللحظة .

كشاهد عيان على هذا الامتلاك للذات ومصادرتها من ذاتها الفعلية، لحظة التعريف بلغتها الأم، يمكن التذكير ببركات الذي أشار إلى اللغة" العربية طبعاً، وهي لغة كتابته التي أشهرته، وصيَّرته سليم بركات: اسم شهرته الذي اختاره من داخل لغة كتابته، وليس " محمد سليم ملا حسين بركات" الاسم الفعلي له من داخل العائلة وفي محيطها، وربما قلة قليلة جداً ممن يعرفونه عن قرب هم على بيّنة من ذلك" 5، تأتي إشارته على مستوى إشهاري جرّاء عنف ممثَّل فيها، عنف استحواذي، وبدقة أكثر عنف سرد تاريخي، سلطوي، يعرّف بنسق ثقافة أفصحت بمنطقها السيادي عن آبائية صارمة، آبائية لا صلة لها بالرحم الأمَّوي، وإن كانت تضع علامة على هذا الارتياد لجسد مستباح، وليكون امتحان المتكلم بها، وهي ليست لغته، تعزيزاً لعلاقة مفهومة ضمن عقد بروتوكولي معين، عقد موقَّع عليه ضمناً، بين المعني بها في المتن: حامل الآبائية، ومن لا يجد فكاكاً منها، فيكون اجتهاده وبروزه فيها، وهو يبرع في الكتابة باسمها، حتى وهو يطعن في ممثّلها، سوى أنه لا يخفي سحريتها بالمقابل، أي حين يصبح المُدين لها بصورة ما دائناً ومعرَّفاً بها، وهو يوغل في سرّ بلاغتها، استجابة للاشعور معزَّز بذات تسمّي لغتها ولا تقولها إلا بسلسلة مواربات أحياناً" أسماء شخصيات روائية له"، أو مناخه البيئي والاجتماعي. إن متحدث اللغة هذه موصول بها ويستحيل مفارقتها، وتلك هي مفارقة في سعي الهامشي إلى مقاومة شراسة المتن وتطهيره من عنفه عبر التشهير فيه، وتبقى صلة الوصل: اللغة ذاتها 6 .

طبعاً هذا ينطبق على كل متكلم لغة آخر، ولديه لغته الأم، والأمثلة المذكورة بتعدد مستوياتها تبقي مساحات مرئية ولا مرئية تبعاً لنباهة المتكلم بلغة الآخر وشعوره بالاستلاب، بين متكلم وآخر، ولا بد أن الثالث أكثر تعرضاً لعنف الآخر، ليس من خلال اعتباره الأمثل الأوحد، إنما الأكثر بروزاً وتعرضاً لعنف سرد يشدّد على بقاء نسقه، علامة تجلّيه الفارقة، وبالتالي، فإن الكردي الملحق باللغة: العربية، وغيرها: كحال يشار كمال أو يلماز كَوني إزاء التركية مثلاً، أو حسن قزلجي أو هزار إزاء الفارسية أيضاً، هم جميعاً شهود عيان على اضطهاد مشرعن.

هنا، يمكن التذكير بإشارة طريفة ولكنها مرعبة في بنيتها، لكل من جيل دولوز وغواتاري في كتابهما المشترك والذائع الصيت( ضد أوديب)، ونقدهما للتحليل النفسي عند فرويد، وذهابهما به إلى خارج نطاقه الجغرافي والثقافي الأوربي الذي عرِف به، وهو جواز امكان صلاحيته في التطبيق على البلاد التابعة للاستعمار، والسبب هو( التاريخ الكولونيالي الذي كان له أثر فرض البنى الغربية إحدى امكانيات تحقيق ذلك الربط..) 7.

ربما كان تصرف دولوز وزميله المحلل النفسي داخلاً في سياق مقاربة عالم ما بعد الحداثة وطريقة توضُّع الثقافات في العالم من حولهما، ولكن ثمة كلمة ضائعة في أساس هذه الإحالة الـ" انتي- اوديبية"، وهي أن المتروبول الامبريالي لا يمكنه التستر على عنفه التسونامي الذي أفرزه انتشاره خارج حدوده والبحث عن حوامل له، ليكون نسخاً ما تابعة له، أو ليكون المتكلم هو ممثّل الحاضرة الامبريالية والمصغي هو الكولونيالي ومن يتبع الأخير والخاضع له يصمت.

نعم، هذا ما يشار إليه بالكولونيالية، وهي تحاول أن تكون امبريالية مصغرة مستنسخة" سيمولاكراً" على مستوى الداخل، وتكون الآبائية بنسختها الفرويدية المستحدثة مأخوذة بالأب المتروبولي بقدر ما تسعى إلى أن تكون الأب الضارب القوة في الداخل.

تأتي اللغة معبّرة عن هذا الإبقاء للآخر نظراً للحاجة الماسة، وإن كان هناك نقد لاذع له، نظراً للفارق في المستوى الحضاري: التقاني خصوصاً، والاستبقاء على علامات قوة له دون استثمار مكوّنات المدنية الأهم والمرافقة له، ليس لعجز عن ذلك، وإنما لأن الآبائية هنا ركّبت هكذا، وتخلص لتاريخ مديد لها، وما تستورده هو بقصد تقوية سلطتها.

إننا لسنا ما طرحه ادوارد سعيد في كتابه( الثقافة والامبريالية) بصدد مفهوم" الهجنة hybrid " ، تعزيزاً لخاصية تثاقفية محرَّرة من الاتجاهين لنكون في حمَى حوار الثقافات، لأن الأب الامبريالي يكون الطاغي، بقدر ما يكون الأب الكولونيالي امتداداً له ومأهولاً به رمزياً، والسعي إلى التحرر من سلطة الأب يتطلب إرادة مجابهة لا يستهان بها، إنما في المستوى الثالث يكون ثمة أكثر من استهجان لفعل المقاوِم، باعتباره عاصياً ومنبوذاً ومنزوع الكينونة القيمية، أكثر من المستويين الأولين.

هنا يكون الاوبنهايمليش شديد التعقيد إن اعتمدناه في تشخيص العالَم النفسي للمحارَب في لغته علانية وحتى في السر جرّاء مراقبة ورصد لكل أنشطته، حيث إن الاوبنهايمليش( ليس أكثر من أسير بيته، مريضه، مقاومه..) 8 .

لسان المتكلم هنا مسحوب إلى الداخل، إنه نوع من الخصاء النفسي صحبة اللغوي جرّاء هذا التشديد عليه !

وكون متكلم لغة الآخر يحاول تأكيد الذات من أجل بقاءٍ من نوع مختلف، البقاء في نطاق التحدي في مواجهة ذات اللغة، ذات الممثل الرئيس لها، فإن يبذل كل ما وسعه من جهد لتكون لغة الآخر لغته، ليكون المستحوذ عليها، ولكن الناظر في بنية العلاقة يتبين أن شعور الاستحواذ لا يلغي قوة اللغة هذه، لأنها تظل لغة الآخر، وكل البلاغة التي تفصح عن أن من يتكلمها قد طوَّعها للتعبير عما يذهب في الاتجاه المعاكس للمعني الرئيس بها، تبقيه قريباً منه.

هذا يحفّزنا على التحرك في منحى جديد، وهو المتمثل في اعتبار اللغة أشبه بالطريق الوحيد الأوحد الذي ينبغي السير فيه، وطرح صورة اللغة" الطاغية والمستبدة " جانباً، استجابة لإرادة الكلام والكتابة المرجوَّين، وإلا لتوقف كل منهما.

إنه السعي إلى استثمار اللغة دون التنبيه إلى أنها لغة آخر تماماً، وهو التسليم بوجود متن، واقصاء الهامش، ليتسنى للكاتب هنا أن يمارس حياته الخاصة كما لو أنه مواطن اللغة، وما يتبع كل ذلك من تمثل سطوة الآخر: المحارَب أحياناً .

وأظنني من هذا المنطلق كتبت في مكان آخر وتعليقاً، على فقرة تخص كتاب دريدا( أحادية لغة الآخر) وهو يتحدث عن موقعه داخل الفرنسية ويعرَف بها( كل اللغات لغاتي، رغم كرديتي" اللغة الأم "بوصفها حقائقي الجينالوجية، وهي تطوف داخل لغتي التي تعاني أكثر من ذاكرة مرَضية، ممزقة، ليس لعلة فيها..وإنما لأنها اللغة التي تطارَد من قبل أكثر من لغة في مركزيتها... ثقافة ليست غريبة عني تماماً .) 9 .

لكن ذلك لا يلغي الخوف من الآخر داخل لغته، وبقاء ذاكرة العنف، أو السرد المستشري بنسقه الاضطهادي شغالاً بأكثر من إيلام يطال مفهوم" الهُوية". لا نسيان هنا، بالعكس، أن تنسى هو أن تبقى متذكراً من نسيته أو حاولت نسيانه، وذاكرة تعمل في الاتجاهين، هي ذاكرة مستعيرِ لغة الآخر أو المعتمَد عليها، هو أقدر على وصف معاناة الحالتين.

ربما هذا يذكّرنا بهيدجر، وهو يتحدث عن اللغة باعتبارها مسكَن المرء: بيت كينونته، إنها المانيته التي ارتبط بها صوفياً، ومنها كان يحاول الانتقال من خاصية الموجود إلى عمومية الوجود، معظّماً دور اللغة في ذلك .

وجرّاء الشعور بعنف لغة الآخر، حين تكون مفروضة وتحل محل لغة آخر، والآخر يكون معرَّفاً، تشكلت ردود أفعال مضادة لهذا التوجه، إلى درجة اعتبار اللغة في مقام الهوية، والمثال الأقرب هو الكردي الذي يعتبر نفسه ليس مقصياً عن لغته فقط، وإنما محارَباً  ويجري ذمها من خلالها، كما هو متداول هنا وهناك بأنه ( صاحب اللسان العوَج: الأعوج)!

إن اللسان الأعوج إشارة خطر وإنذار إلى أن هذا اللسان يتهدد صاحبه نفسه، لأن اعوجاجه يعني الاطباق التدريجي عليه بالموت، فهو يَحوُل دون تناول الطعام، دون إمكان الكلام المطلوب، لتكون العودة إلى الحياة . ثمة هجْر له لا بل نسيانه، وكأن لسان الآخر هو منقذه، أي لغته، ولكن ذلك لم يحل المشكلة حتى الآن، فاللسان" العوج" لم يعد داخل الفم، إنما صار علامة مطاردة، بمثابة وشم على جبين المعني به، إنه نوع من العبودية البيولوجية التي لا فكاك منها، والنزول عند رغبة مطاردِه، حتى في حال الصمت، كما لو أن الكردي هو الوحيد ممن يملك هذا اللسان الموصوف والمذموم، ولعل متحرّي أثر هذا العنف المتجاوز لحدود اللغة يمكنه تبين نوع السلطة التي تجتهد في توليف مثل هذه الأوصاف وبنيتها الأخلاقية.

في سياق الوارد ذكره، لا أظن أن مبالغة في القول بأن تجريد أي كان من لغته في مقام الجريمة التي لا تغتفَر، فكيف الحال إذا كانت الجريمة متعلقة بتجريد شعب كامل من لغته؟ وليت الأمر توقف عند حدود انكار وجود لغة تشير إليه عند الذين يشدّدون على اعوجاج لسانه، لكان هناك تصور آخر، إنما ثمة اعتراف ضمني بوجود لغة، مهما اختلف الموقف من هذه اللغة تاريخ نشوء وتشكيل وتمايز ما، وهذا هو الملموس في اعتبار متكلم الكردية وكاتبها في صورة شبهة.

يترتب على ذلك العنف في فرض اللغة عنف مضاد: الكردي الذي يحمل معه حكايات الجدة ولغته الأم، وهو يلزَم بضرورة تهجئة العربية بحروفها وكلماتها، دون لغته، ومعلمه الكردي أحياناً، وهو يعاني بشكل مضاعف: يلقّنه ما يجب عليه أن يتعلمه ويكتب به، كما لو أن لا صلة له البتة بكرديته، وثمة تاريخ ثقافة ومعرفة أو أدب لا حضور له فيه، إلا لماماً جداً، وبما يستفزه في اختزاله وتهميشه، وما يترتب على اعتبار العربية لغة خلاصه في الدنيا والآخرة دينياً.

كل ما حوله يعرّف بعربية المكان: اسم الشارع والمحلة ومكان العمل والاسم الشخصي...الخ.

ما يعمّق هذه المعاناة وحتى الأمس القريب جداً، هو إمكان دراسة أي أدب في العالم: العبري، الآشوري، الأرمني، التركي، الفارسي...الخ، وفي كتب صادرة عن مؤسسات رسمية في الدولة التي ينتمي إلى جغرافيتها، وحتى في الجامعة، ويكون أي حديث عن لغته في مقام مرتكب الكبيرة، لا بل حتى من يكتب بالعربية وهو كردي، وثمة استعداد لدى طالب علم في أن يقدّم عنه بحثاً إلى جامعته، أو يقدّم كتاباً عنه، فلا يجد سوى الرفض له، فيلجأ إلى طباعته بوسيلة أخرى، وما يعنيه هذا الإجراء من إبقائه مطارَداً من قبل الرقيب، وصعب العثور عليه في الأماكن الرسمية: المكتبة وغيرها.

 استمرار هذا العنف على أكثر من مستوى مستمر حتى الآن، وأنا أشير هنا إلى أن كلمة" كُردستان" تكاد تلفَظ باستحياء وبصعوبة، من قبل أكثر المنفتحين عليها هنا وهناك. ليس هناك سوى الجهات المعرّفة بالكُردي: شمال العراق، شمال شرق سوريا، جنوب تركيا، شرق إيران. يحضر هنا هيجل بكامل طاقمه الإيديولوجي وهو يكتب تاريخ الشعوب غير الأوربية، معتبراً هذه الشعوب دون تاريخ، ليكون الشعب الكردي دون اسمه: الشعب، دون تاريخ يسمّيه باسمه، لدى أكثر هؤلاء الذين يتهمون هيجل بالعنصرية، بينما يبرّرون إجراءهم في موقفهم من الكردي مقاماً وموقعاً ونشاطاً.

أهو إنشاء قولي ؟ إذا قلت: يعجبني في هذا المقام مفهوم " الجذمور " الدولوزي" نسبة إلى جيل دولوز "، حيث لا شجرة واحدة، إنما بجوار كل شجرة وبالتماس مع ساقها من الأسفل ثمة جذر لساق شجرة جديدة، لتكون هناك أشجار لا تحصى، إنما مع ضياع الأصل، كما هو الحديث عن البدايات الميثولوجية للغات، واعتبارها من مصدر معين لا يقطَع فيه.

تصوروا هنا المفارقة بين تاريخنا اللغوي قبل انهيار برج بابل وبعده، أي حيث أصيب البشر ببلبلة في ألسنتهم لئلا يحققوا ما يريدونه في لغة واحدة، إنما تكون الترجمة ومعاناة الترجمة وصعوبتها في التواصل وتزكية لغات دون أخرى، للحد من طموحهم الأرضي، ولتكون هذه الوحدة مسماة تحت راية معتقدات دينية وأبعد منها: في الجنة: لغة واحدة فقط، وعنف التسمية هنا، وهي ذاتها شكلت خميرة حية وملهمة لطروحات وتصورات لم تنته إلى يومنا هذا ..!

أهي مبالغة أخرى إذاً قلت، إن الكثير مما انطلق منه فرانز فانون عن الاستبداد بالآخر: الآخر من بني جلدته،بوجود " بشرة بيضاء" و" أقنعة سوداء"، وفي مثال  روبرت يانج في كتابه( أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب) 10. يكاد يتكرر هنا ولو بتفاوت ؟

هذا السرد الطويل المدى بعنف نسقه، يتحصن بلغة هي ذاتها تجد نفسها في خانة مساءلة من قبل المستبَد به، في الوقت الذي يتشكل بديل له، باعتباره ممثّل سرد مختلف، وليس إقصائياً لمقابله طبعاً، إنه إعلام بوجوب نوع من التكافؤ.

وأعتقد أن العثور على أمثلة حية تصل بأصحابها أحياناً إلى حد التطرف بداية، بصدد الموقف من اللغة، ربما يجد تبريراً له لحظة تبين الجرح الكبير الذي يحدثه استبداد الآخر على صعيد اللغة الفارضة، والشعور بفقدان الحرية المطلوبة.

لا يُنسى هنا جلادت بدرخان" 1893-1951 "، وتركيزه على اللغة، وقد فشلت كل المحاولات الأخرى في السعي إلى تأكيد كينونة الكُردي، إزاء المستبد بالكردي أو المتحكم بمصيره: التركي، نموذجاً أمثل في نسقه الاضطهادي، لتكون ساحة نضاله الكبرى وقد توسَّع فيها عبر فنون كتابية مختلفة، ولعلها الوسيلة الأوحد لإشهار سلاح يمكن اعتماده في كل مكان، ولتكون كل كلمة سطّرَها هنا وهناك بمثابة نداء استغاثة لشعب كامل يُراد اعدامه بالمعنى الرمزي 11.

إن محمد اوزون الكردي المتأثر بجلادت بدرخان الذي كتب بأكثر من لغة: بالكردية والتركية، على الأقل، لم يجد بداً من الاعتراف من أن مرجع المرء هو لغته، ليس بمعنى الانغلاق على الذات، وإنما شعوراً وتقديراً منه بأن اللغة هي خير ترجمان أمين للمتحدث بها، جهة التعريف بها. إذ ما أن تتهجى كلمة واحدة، حتى يُسأل عمن تكون، وليس من وسيط لتعبّر عما تريد.، رغم أنه عرِف بالتركية كلغة كتابة بداية :

 ( علينا ألا نخدع أنفسنا، عندما لا نحرص على اللغة الكُرْدية، أن ننسى مسئوليتنا الأخلاقية، وندعها  تتلاشى، عندها، سيبقى كل شيء نقوم به، دون روح ، بدءاً من السياسة حتى الفن والأدب.) 12 .

ولعل المثال الأقرب إلى هذا التعبير المفعم بحيوية الذات القومية ودون انغلاق، هو المجسَّد فيما ذهب إليه الشاعر الراحل شيركو بيكه س، وهو يعتبر الكردية متنفسه، فضاءه، بيته في الوجود تماماً، رغم معرفته التامة بالعربية وغيرها:

 ( إن القصيدة الكردية هي القصيدة التي تكتب باللغة الكردية أساساً لأن كردية القصيدة أو عربية القصيدة أو اسبانية القصيدة تستمد حيويتها الجوهرية من لغتها الأصلية، كلماتها، صورها، أمثالها، وصورها الذهنية وإيقاع جُملها، ظلال معانيها، والتراث الذي تحمله، تكوينها اللغوي، صياغتها وخصوصية رؤياها وغيرها، القصيدة الكردية التي تكتب باللغة الكردية أصلاً بمثابة (الصورة الأصلية) غير مُنسخة، نابعة من جذورها اللغوية.) 13.

ولكن ذلك يتطلب مكاشفة من نوع  يمس جوهر التعبير الفعلي والجدير بالبقاء في الأدب والفكر، أي حين تصبح الدعوى إلى اعتماد الكردية لغة كتابة  بمثابة ايديولوجيا صارخة تعطّل روح الإبداع والقدرة على التواصل الفعلي مع العالم.

وبالتالي، فإن فحوى لزوم الكتابة بالكردية لدى الكثيرين، وليس القلة فقط من الكرد، يمارس نوعاً من التصحير للذات المهيأة لأن تبدع ، وما في ذلك من انغلاق والاستغراق في هذا الإلزام، وما يترتب عليه حتى الآن من شعور كارثي لدى الكثيرين من أنه يكفيك أن تتحدث الكردية وتكتب الكردية حتى تثبت كرديتك، وما في ذلك من خلط مريع وبراغماتيكي بين كردية المرء من خلال اللغة التي يعرَف بها، وكرديته التي تعرّف به من الداخل إبداعاً وتفكيراً.

إن رفض عنف الآخر لغوياً لا يعني البتة تأميم الذات من كل عنف، حيث اللغة أكثر من كونها مجرد كلمات، بالعكس أحياناً، إذ ربما تحيل اللغة الناطق بها أحياناً إلى شكل كاريكاتيري دون مضمون، وأن الحرية لا تعني التطهير الكامل من اضطهاد موسوم في الآخر، فهي ذاتها لا تخلو من نسيج عنفي، ومعايشتها تتوقف على مدى تبصُّرها في العمق .

لعلي هنا أجد ما قاله الكاتب الكردي المعروف فاضل كريم أحمد خير مثال لإضاءة هذا الجانب الخطير، ومن خلال أكثر من مثال، ومن ذلك كتابات يشار كمال( فهو ربما لا يعرف من اللغة الكردية سوى النزر اليسير- ولكنها- تعبق بالكردية، رغم أنه يكتب بالتركية..)، ولاحقاً يشير إلى مدى تحول دعوى لزوم الكتابة بالكردية إلى سلب( ولكن في حالات كثيرة اقترف كرد، أو على الأقل، بعض ممن يرتدون الزي الكردي، جرائم بشعة بحق شعبنا، ومن ضمن الأسلحة المستخدمة في ارتكاب هذه الجرائم كانت اللغة الكردية نفسها..) 14 .

بمعنى آخر: إن كُره الآخر يجب ألا يحول دون تعلم لغته، وتعلم لغته يجب ألا يضعنا في خانة التفكير الأحادي وهو أنك بذلك تدخل في عبوديته عبر لغته، لأننا بالطريقة هذه ننسحب من العالم والحياة معاً، فيما لو نظرنا إلى من كتبوا بالفرنسية وهم ليسوا فرنسيين: فرانسوا فانون، إيميه سيزير، مالك حداد، مولود فرعون، ميلان كونديرا، ادوارد سعيد الفلسطيني، وخالد حسيني الروائي الأفغاني بالانكليزية، شيركو فتاح الكردي بالألمانية.. عدا شعوباً كاملة اعتمدت لغات غزاتها تعبيراً عن هويتها القومية: في أميركا اللاتينية، وخاصة في عالم اليوم جرّاء الانتقالات عبر الحدودية. طبعاً لا يعني كل ذلك التخلي عن التخلي، وإنما عدم الرهان على اللغة" الكردية هنا" باعتبارها الشاهد الوحيد الأوحد على كردية المرء، وما ترتَّب ويترتب على ذلك من تفجير صراعات مختلفة، والإيحاء إلى ممارسي الكتابة بالكردية باعتبارها خير من يمثّلون الكردية، إلى درجة إعلان الحرب على المختلفين عنهم، ومن يستفيد من ذلك داخلاً وخارجاً.

عود على بدء، من أجل بدء ما، إن التحرر من هيمنة السرد الذي يفشي سر متنه، لا يعني إزاحته جانباً كلياً، باعتباره الشر المطلق، ففي ذلك سعي إلى السرد المستنسَخ ولو بعلامة مغايرة، إذ لا بد من الدخول في مغامرة أخرى، من خلال ذات اللغة وأي لغة أخرى تسهِم في إبراز الذات، حيث من الوهم تماماً الانطلاق من مقولة كوجيتوية: أنا أتكلم الكردية إذاً أنا كردي! أن يكون أحدهم كائناً من خلال اللغة دون التفكير المطلوب فيما يقدِم عليه، يعني ذلك تجاهل حمولة اللغة على صعيد التمثيل الكينوني للذات، كون الكردية فيما انطلقت منه وحقّقته على مستوى إمكان التعبير عن عالمها من منظور ندّي، وبالنسبة إلى اللغات التي تعتبَر  مانعة إياها من الحضور عبر ممثليها: العربية والتركية والفارسية، وليس سواها، لما يزل في خصام بينيٍّ، حتى بالنسبة لذاتها، فهي ليست واحدة، إنها لا تزال تتعلم المشي، إن جاز التعبير، فكيف بها، وأنَّى لها أن تجاري لغات العالم في التعريف بنفسها، بعيداً عن الإيحاء بأنها خلاف ذلك، من نوع الاندفاع العاطفي وربما التعبوي بأنه يكفيها أنها تنتمي إلى اللغات الهندوأوربية، لتكون ذات ميزة واعتبار، والمفارقة هي أنه حتى الآن يحاول جاهداً أن يتمثل في ذاته الموجود، أما الوجود ومدى حاجته إلى لغة أكثر ثراء، فهو في حكم المؤجَّل بالنسبة إليها.

ربما على الكردي الآن وحتى المدى المنظور وفي ضوء المعطيات الراهنة، ربما عليه أن يعيش على أكثر من مستوى وعلاقة مع لغته وأي لغة أخرى يكتب بها وهو مأهول بكرديته: أن يكون ممتلئاً بشعور جاك دريدا وهو يكتب بالفرنسية، يكتب بها ويمارس تفكيكاً لها دون أن يغادرها، وبشعور رجل فكر وأدب مثل عبدالكبير الخطيبي، وهو يكتب بالفرنسية ويعرف العربية وربما الأمازيغية مغربياً، ويمارس تفكيكاً لكل لغة يعيشها من الداخل، وبشعور رموز أدب ونقد مثل كل من سليم بركات ومحمد اوزون وفاضل كريم أحمد، والارتحال بين اللغات وداخلها، حيث الكردية هي الامتلاء بالانتماء إليها والتعبير عنها، وليس أن يكون مجرد التكلم  والكتابة بها.

باختصار:إن تفكير الكُردي على الدوام بأنه ضحية كونية ما، ولغته هي ملاذه الآمن وكل لغة أخرى هي في موقع الجلاد بالمطلق، لا يحرمه فقط من بناء ذاته الإنسانية لمن حوله ويشب عن طوق المعاني منه، وإنما يكون المهدّد لإنسانية  قائمة، وعجزاً عن دخول العالم.

وفي الأدب تكون البداية والامتحان والتقويم الجلي لهذه اللغة !

 

 

مصادر وإشارات

1-دريدا جاك : أحادية لغة الآخر أو ترميم الأصل، ترجمة: عزيز توما- ابراهيم محمود، دار  الحوار، اللاذقية، ط1/ 2009، ص 13. والحال أن التالي أو البديل للعنوان: ترميم الأصل يحفّز على المكاشفة أكثر ( الترميم لا يكون إلا بوجود ما يستدعي ترميماً، مادة، نصاً جسداً ورمزاً مفارقاً لحقيقته المفترضة..الخ)، ينظَر تعليقي في المصدر نفسه،ص132.

2- في ذات الكتاب، وفي أكثر من إشارة يضع دريدا نظيره: الخطيبي في واجهة الآخر متكلم لغته والمسكون بفائض عنف يعنيه، ومن ذلك قوله( عبدالكبير الخطيبي، إنه يتحدث عن" لغته الأم" بلا شك ليست الفرنسية، لكنه يتحدث بها، يتحدث عنها بلغة أخرى، الفرنسية تماماً. ص 48)، ليقول تالياً ما يصله به( لقد كانت لغة المتروبول اللغة الأم، في الواقع بديل لغة أم( هل هناك شيء آخر/ أبداً؟)، لغة الآخر... ص 57).

3- هذا ما يمكن تبينه في نص الحوار معه والذي يتقدم كتابه( النقد المزدوج )، ترجمة: أدونيس وآخرين، دار العودة، بيروت، د. ت . 

4- أضع كتاب ( الاسم العربي الجريح) في خانة الهامش، ليكون الجرح شاهداً على عنف متني، وبالتالي، ليظهر إشكالية المؤلف نفسه مع كتابته وتفجعه بالكتابة وهو يعيش ( عشق اللسانين) العنوان الدال لكتاب ثالث له، ومفارقة العنوان بالذات على صعيد العلاقة كمتكلم لغة أولى: اللغة الأم، واللغة اللاحقة والطاغية: لغة التعلم والثقافة والشهرة الرئيسة .

5- للعلم أن " جاكي" هو الاسم الأول لجاك دريدا، وقد اعتمد " جاك" ليعرَف به. إن جاكي يحيل على أصل يهوي: عبري، ولكن بركات هو نفسه اسم عربي، سوى أنه يستهدف شيئاً آخر، ومن خلال اللغة التي يكتب بها.

في سياق المفارقة الخاصة بالاسم، أن هناك  من قدَّم لكتاب ( الكتابة والاختلاف) لدريدا، رابطاً اسمه باسم شاعر عربي جاهلي قديم دون أي تحفُّظ، وهذا توليف كارثي، لأن الاسم  أجنبي، وعلّقت عليه في حينه، ماذا يحدث إذا قلت إن " جاك" كاسم يذكّر بمفردة عربية محكية عندنا، وهي فعل" جاك" أي" أتاك.."؟ إنه عنف يصلنا بالآبائية المذكورة .

ينظَر حول ذلك  ( الكتابة والاختلاف ) ترجمة: كاظم جهاد، دار توبقال، الدار البيضاء/1988، والتقديم لمحمد علال سيناصر" رئيس شعبة الفلسفة في منظمة اليونسكو العالمية.."، وقوله( في اسم جاك درَيده أثر انتماء قديم..ص 7 ).

6- أشير هنا إلى جواب له على سؤال موجَّه إليه يخص لغته العربية التي يكتب بها، واعتباره الكُردي الذي لا يعرف الكردية كتابة ونطقاً، ليأتي جوابه هذا أقرب إلى المصالحة مع العربية المعتمَدة الرئيسة لديه، وقدرته على تطويعها له، ناسياً أنه في طريقته هذه منحها سلطة استحواذ وإبراز لفتنة متخفية فيها:

س-أنت لا تجيد الكردية، لا نطقاً ولا كتابة، فكأن الكتابة عندك انتقام مزدوج: من صمتك الكردي ومن الصمت الكردي عموماً، ومن اللغة العربية التي تحبها حباً انتقامياً..

ج- أجيد بعض الكردية نطقاً. أثقل لساني بُعدي عن نفير اللسان الكردي. لكنني أفهم الكثير من الكردية منطوقة بلسان أهلها. أما الكتابة فلم تتوسط المصادفة، بسبب ظروف مغلظة في إيمانها العربي، كي نلتقي. أحببت العربية ليس انتقاماً، بتصريف من قدَر الملكة ميديا في القتل، بل بالقدْر الذي فيها من كرديتي طليقة كأم تنجب العربية ذاتها، حرّة من دنس " فتوحات " التاريخ، وسطوة اللسان " الفاتح ". لا انتقام مطلقاً. مقايضة دور بدور. مقايضة " مترفعة " قليلاً عن " اللاتوازن "، الذي سبَبته العربية لي بركاكة " الإنشاء " القومي، و"سبَّبته" لها بالحرص على خيالها كإنصاف للغة من نفسها اللغوية بعصبية الإنشاء القومي. بلا تواضع، لم أنظر إلى نفسي " كمهارة " في الاختبار. مدرّس لغة عربية، في إحدى قرى الشمال السوري، يحسن النحو والصرف، وشرح اللفظ بأخيه اللفظ، كما لا يحسنها " محترفو أدب " من أمراء الحداثة العربية. المسألة، اختصاراً، أن نأخذ من اللغة نبذة وجودها الحافظ لمشيئتها لغة في تصريف الإنسان لملَكاته.

لغتي العربية " هوية " انتساب العربي إلى كرديتي شريكاً في ميراث الآلهة.. ).

ينظَر في نص الحوار معه، في صحيفة " النهار " اللبنانية، 9 نوفمبر/ 2007 .

أوه! لقد صار في مقام" المؤلف " هذا الذي أصبح " حجة " عند أهله من داخل اللغة. ما المؤلف الحجة؟ في إشارة طريفة وذات مغزى، يتساءل الباحث المغربي عبدالفتاح كيليطو ( كيف يتحول متكلم إلى مؤلف حجة ؟)،وماذا يعني ذلك؟(. .كأن المؤلف عندما يصبح حجة، يولد من جديد، ويُطلق عليه اسم جديد.)، ينظَر كتابه ( الأدب والغرابة)، دار الطليعة، بيروت، ط3/1997.

والسؤال الذي نراه ضرورياً تالياً، هو: ماذا يعني أن يولد من جديد؟ والجواب، كما هو معتقَد: أن يكون في عهدة اللغة التي يكتب ويعرَف بها، فكأن ثمة رحماً آخر ينسّبه إليه. إنه العنف المطلوب والمرغوب ضمناً معاً لهذا التحول، كما يظهر، وخاصة عندما تكون اللغة منشودة للتعبير عن ذات يُراد لها حضوراً في العالم، وأحياناً في تركيب اسمي مختلف.

7- يُنظر حول ذلك، كتاب: روبرت يانج( أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب)، ترجمة: أحمد محمود، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة/2003، ص 299.

والعنوان يذكّرنا بمقال جاك دَرّيدا " الأسطورة البيضاء " في كتابه ( هوامش الفلسفة ) باريس/1972.

ولاحظ مثلاً، بالمقابل، ما يخص فكرة " الجنة " ومن يمثّلها في عالم مفارق لنا أرضياً، وكيف أُدخلت في لعبة المصائر والرهانات القائمة على تمايزات ذات منشأ ديني اعتقادي وايديولوجي تباعاً ومن خلال اللغة بالذات: العبرية أم السريانية أم العربية أم اللغات الأخرى: الأوربية وغيرها.. الخ. يُنظَر حول ذلك كتاب موريس أولندر( لغات الفردوس )،ترجمة :د. جورج سليمان، منشورات المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1/ 2007، مثلاً، مقدمة المترجم، ومقدم الكتاب جان- بيار فرنان، صص 9- 24، وما أثاره الباحث المغربي عبدالفتاح كيليطو طريف ولافت في هذا السياق، في كتابه ( لسان آدم )، ترجمة: عبدالكبير الشرقاوي، دار توبقال، الدار البيضاء، ط2/ 2001.

8- تحدث فرويد عن " الغرابة المقلقة" في كتابه ( التحليل النفسي للعصاب الوسواسي: رجل الجرذان)، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط1/ 1987،  وهو يتحدث عن الوجدان المؤلم  الذي ( يأخذ بصورة واضحة طابع الغرابة المقلقةUNHEIMLICH. وتتولد عنه منذ ذلك الحين حفزات إلى فعل شيء ما لتفادي الكارثة، محفزات شبيهة بالتدابير الدفاعية التي سترى لدى المريض لاحقاً.ص 16) . إنه ليس أكثر من أسير البيت، مريضه، مقاومه، من خلال العبارة الألمانية! كما يتضح ذلك في كتاب ساره كوفمان: طفولة الفن" تفسير علم الجمال الفرويدي"، ترجمة: وجيه أسعد، وزارة الثقافة السورية، دمشق/1989، الفصل الأول( القراءة المزدوجة).

9- يُنظر  في فصل شروحات في ضيافة جاد دريدا في كتاب دريدا السالف ذكره ، ص165 .

10- التركيز على الكُردي في تجليه عربياً، مشرَّع له لأنه وارد في سياق موضوع محدد: عربي المقام، إذ هناك التركي والفارسي، وبالمقابل، ثمة ما يناظره في التهميش: الأمازيغي، على الأقل، ولكنني أعتبر الكردي أكثرهم تهميشاً، كما يقول تاريخه في الجهات التي جرى تقاسمه فيها، ليكون دون الكردي، والكردي في آن واحد معاً.

11- ينظر حول ذلك، كتاب د. عبدالفتاح بوتاني: في الذكرى الـ"62 " لرحيل الأمير جلادت بدرخان" إعداد ومراجعة وتقديم"، مهرجان الأمير جلادت بدرخان، دهوك/ 2013، ص 31، حيث ترمز اللغة الكردية في نظره للقومية الكُردية.

12- من نص" اللغة روح البشرية" بالكردية، مستل من موقع" نفل" الكردي.

13- من نص الحوار الذي أجراه مه الشاعر ابراهيم يوسف، في صحيفة" الزمان "، مستل انترنتي.

14- ينظر نص الحوار الطويل معه، في كتاب( قصص فاضل كريم أحمد: تأبى المنفى أينما رحلت)، تقديم وإشراف: غسان غسان، سلسلة مهرجان" كلاويج " الثالث عشر/ 2009، إقليم كردستان العراق، السليمانية، ص309-310.


ئەم بابەتە 4 جار خوێندراوەتەوە
بابەتی لەیەکچوو