عبدالله كوران شاعر الجمال والطبيعة

د. كمال غمبار

اذا كان الإنسان ابن الطبيعة فإن –كوران- ابن طبيعة جميلة خلابة استحوذت على مشاعره واحساساته، وفجرت قريحته الشعرية منذ الصغر، ففي حوالي الثانية عشرة ، الثالثة عشرة من عمره من عمره بدأ تريجيا بقراءة القصائد التي دونت بلغ كردية وفارسية بسيطة واضحة فاستوعبها وفهمها ، وذلك بحكم انه سليل عائلة مثقفة واعية ، فكان جده شاعرا، ووالده ايضا ، فتلك البيئة الشاعرية كانت لها اثر كبير في نفس الشاعر ، وكذلك انبهاره بالشاعرين المعروفين – احمد مختارالجاف 1879-1918-و- طاهر بك الجاف 1879-1935، وليس غريبا أن اول قصيدة له كانت اربعة ابيات او خمسة فحاول عبثا تذكرها باستثناء بيتين ، ويبدو انهما ليسا صالحين للكتابة والنشر، لأنه كما هو يقول ، لقد كتبا بلغة صبيانية دون استحياء ، وفي ذلك الزمن بالذات قال الشاعر قصيدة ذات سبعة ابيات مطلعها:

ان قلبي من فرط فراق حبيبي جزع دائما
كمجنون حي هائم في الجبال والسهول والفلوات(1)

ان صبيا في مثل هذا العمر يكون على هذا المستوى تتوسم منه الموهبة والأبداع ، واننا نعلم ان الموهبة وحدها لاتكون كفيلة بارتقاء الشاعرمستوى عاليا من الخلق والابتكارمالم يصقل الشاعر موهبته الشعرية بالتثقيف والدراسة وتعلم اللغات غير الكردية ، وفي هذا المسار تدرج الشاعر في مدارج السمو والرفعةالشعرية من خلال اجادته اللغات (العربية والفارسية والتركية والأنكليزية فقرأ بتلك اللغات قصائد الشعراء، وهذه القراءة كانت لها اثر فاعل في تكوينه الشعري وبروزه اكثر من غيره من الشسعراء المعاصرين له. .

حين يتألق حب المرأة وجمالها بين اعطاف الطبيعة الفاتنة

( لقد وصف الشاعر الطبيعة كثيرا وصور جماله وروعتها، ثم حاء الى الانسان ، الى المرأة وجمالها ورآها اجمل من الطبيعة بكثير ولكنه اخيرا ان الجمال في الانسان هو الروح والعمل الطيب ، فجمال الجسد عنده سوف يفنى ويضمه القبر المظم بين دفتيه وهناك جمال واحد عبر القرون ، ان كوران الذي يشبه ابداعه المتنوع النهر الفائضة مياهه والذي يجذب مياه الرواقد والسيول التي لاتحصى ، يعكس ذلك كمرآة واسعة للآراءوالافكار العميقة بذوق الفنان الرفيع الذي كرس حياته لخدمة الجمال الاعلى ) (2)

يمكننا ان نؤكد ان الشاعر يعد رائدا لتجديد الشعر الكردي في زمانه، ولاسيما في وصف جمال الطبيعة والمرأة وتعتبر المرحلة التي ابدع فيها مرحلة الرومانسية في الشعر الكردي حيث برز فيها اكثر من الشعراء الذين كانوا متأثرين بالشعراء الترك –شعراء الفجر الآتي- .

لقد كان تاثيركوران على تجديد الشعر الكردي اسبق واكبر من تأثير الرواد الأوائل في حركة الشعرالحر الذي يشمل في البداية الخروج من الاوزان العروضية التقليدية ، أو يمس بعض - الجوانب الاخرى في بنية القصيدة العربية ومضمونها ، واذا بهذه المحاولة الجديدة في في الشعر الكردي تتحول الى ظاهرة بدت في بدايتها غريبة لدى الشعراء ومحبي الشعر والذين الفت آذانهم ايقاعات الاوزان العروضية ، واستخدام اللغة الشعرية القديمة ، لكن سرعانما تغيرت الامزجة وانجذب نحوها شعراء شباب واحتضنوها بشوق ولهفة معبرين بذلك عن استجابتهم الواعية للتطور الذي يمثل اطلالة جديدة على الشعر الكردي المعاصر، وهكذا فإن كوران فتح الدرب لاحبا للشعر الكرد ليقتفوا آ ثار خطواته ويغنوا الشعر المعاصر بتجاربهم الجديدة المبدعة .

فاذا كان الرعيل الأول من الشعراء الكرد الذين تركوا محاكاة الشعر الكلاسيكي التقليدي وعادوا الى الوزن الفولكلوري الكردي لكنهم لم يحدثوا اي تغيير في الوزن المتبع ، الاّ ان كوران لم يلتزم كليا بالوزن الهجائي وحده بل استعمل اوزانا جديدة ابتدعها وقد غدا متميزا من بين الرعيل الأول وجدد والجديد يختلف عن الحديث ، فالجديد هو المقطوع عن اصله، اي مقطوع الصلة عنه ، فكل جديد حديث لكن ليس بالضرورة يعبر الحديث عن روح العصر وتطلعاته المستقبلية، ولن ينمو في رحم القديم كما الجديد، ولا يشكل تأسيسا له سماته وخصائصه المتميزة ، صحيح ان في الحديث خروجا عن المألوف والسائد ، لكن ليس خروجا متطورا بحجم الجديد، واحيانا يرفض الواقع مايحدث لأنه لايضيف شيئا جديدا الى الموجود (لأن التطور والتجديد ظاهرة واحدة تمثل حركة الحياة ونبض قلبها ، وتدفق النشاط واستمراره في الأدب وهو عنصر اساس لكل زمن متحرك ، لأن السكوت موت والجمود فناء )(3) .فحينما اطلقتُ على كوران رائدا لتجديد حركة الشعر الكردي لم اطلق ذلك عبثا لأن الريادة لاتعني المبادرة في النشر بقدر ما تعني التجديد والتطوير ، وما احدثه كوران في الشكل والمضمون في بنية القصيدة الكردية في غضون الثلاثينيات والأربعينيات لم يفعله المعاصرين له (قد يفهم الناس في حياتهم اليومية ، ان الجديد هو الشيئ الذي صنع لأول مرة ، او الشئ الذي ظهر حديثا وهذا فهم معقول ، ولكنه قاصر ، اما المعنى الفلسفي الأعمق لفهوم الجديد، فهو الجديد الذي ينبع بالضرورة من القديم، متمثلا كل قواه الأيجابية، ففي احشاء القديم ، تتكون بذور الجديد ، هذا هو الجديد بمعناه الفلسفي ، وهذا ما يتطلبه النقاد والدارسون...). (4)

ما كان كوران يكتفي بوصف الطبيعة وصفا عابرا ، انما كان يتأمل فيها يشخصها ويستنطق كائناتها، باثا همومه ولواعج نفسه لها قائلاً يشخصها ويستنطق كائناتها، باثا همومه ولواعج نفسه لها قائلاً:

ايها الطيور على الأغصان/ذات الأجنحة المزركشة/ فأنا لست صقراً/

لاتطيروا مني مثنى مثنى ، لاتخافوا، لأقول لكم من أنا

وانا ايضا مثلكم ، في هذه الدنيا الكبرى ، ذرة صغيرة ،

حتى لا اقدر ان اطير، اغرد ، بالجناح بالمنقار .

لكن مثلكم يبكي في قلبي طير الحرية

وديني كدينكم ، عبادة الأرض . (5)

ان النهج الذي انتهجه كوران في تعامله مع الجديد يعد نهجا ابداعيا متمثلا في احداث انقلاب في الشعر الكردي الذي يتحدد في النهج الرومانسي الثوري الذي يتخذ موقفا متعارضا واضحا من الواقع ، وهذ الموقف نابع من وعيه ووضوح رؤيته ، لذلك كان في تعامله مع العالم الذي يعيش فيه يتسم بالرفض ما لم يكن يتواءم مع تطلعاته ورغباته المشروعة نحوخلق ( اساس روحي للحياة الانسانية بديلا عن ذلك الواقع ، ان المملكة الرائعة للروح والمضمون المثالي للحياة هما النقيض المباشر للعالم المشوه الخاص بالعلاقات المادية بين الناس ، وتتمثل هذه المملكة في الاخلاص والصدق الذي يسود العلاقات البشرية في الصداقة المتفانية والملهمة والخالية من الغرض ن وفي الحب وفي العالم المتخيل المشرق ، هذا العالم الذي يكون فيه الانسان حرا و سعيدا حيث يكون الوسط الذي يحيط بهذا الانسان تحكمه صلة الرحم ، لا العداوة )(6) .

تتوضح في قصائد عبدالله كوران المشاركة الوجدانية مع الطبيعة ، ومن هذاالمنظوريرتمي نفسه في أحضانها ، يبدو هو والطبيعة عنصرين غير مختلفين ، فيلتقي مع الرمزيين ( حيث يجد الرمزيون في الطبيعة مرآة انفسهم ، وعندما يبدو الشاعر والطبيعة واحدا ، ولا تظل الصورة لبوسا للفكراو اللمس بل رحمها )(7) ، يعبر الشاعرعن هذا التوجه في مخاطبته الربيع بجماله الرائع المتألق والنهاية المؤلمة قائللا:

ايهاالخريف!ايهاالخريف يا ياذات الجيد العاري والكتفين

ايتهاالعروسةالشقراء

انا صامت وانت زعلانة
انادموعي ، انت امطارك

انا همومي ، انت سحاب بكائك

لن تنتهي : صرختي ، صرختك ،

ابدا ، ابدا

ياخريف ! ياخريف

حينما يشاطر الشاعر ما تؤول اليه الطبيعة من المصير المؤلم المحزن جراء فقدان شبابها وقوتها وحيويتها وجمالها الفاتن ، يستنطق الخريف ويمنحه بعدا بشريا ، فيحاطبه قائلاً :

لنبك كلما تذبل وردة لنبك كلما طار سرب من الطيور

لنبك...لنبك ...ولا نمسح عيوننا،

أبداً،أ بدًا ،

ياخريف ، يا خريف ، ! (7)

ان الاجواء الحزينة الذتي رسمتها ريشة عبدالله كوران المبدعة لها وقعها في نفس الشاعر والمتلقي معا ، وام همومه ومعاناته بلغت حداً انه كرر ( لنبك ) عدة مرات ، ولم يكن هذا التكرار عفويا واعتباطيا بقدر ماكان تعبيرا عن حالته النفسية ، لأن الكلمة تكشف عن الفكرة التي التي تتسلط على الشاعر، ( لذلك ينبغي علينا لكي ننفذ الى روح شاعرنا ان نفتش عن الكلمات التي يكثر من استخدامها في اعماله كما قال بودلير ...)(8) .

ولولا معاناة الشاعر عبد الله كوران في الحياة القاسية جراء المصائب التي المت به ، لما تمكن أن يعبر عنها تعبيرا صادقا ، من خلالهلوربطها بالكبيعة ، وخلق علاقة جدلية بينه وبين الخريف ،وتأكيداً على أن الألم يخلق الشعر الرائع ويجعل من الشاعر الموهوب مبدعاً خلاقاً يقول الفريد ده موسيه: (المرء طفل معلمه الألم ، ولا شيئ يسمو بنا الى العظمة كما يسمو الألم) (9) .

فإذا كان الشعراء الكلاسيكيون يصفوجمال المرأة بأوصاف الطبيعة ، فإن تلك الأوصاف ، لاترقى الى حسن وجمالها السحريين ، فجمال الطبيعة بادئ ذي بدء ينتهي بجمال المرأة ، فأي سحر ودلال وطلسم يضاهي الغرام ، كما في قصيدة (اغنية العاشق) التي يقول فيها الشاعر :

تحت اديم السماء الزرقا ء في حنب القمم الثلجية

طفت كردستان

ذرعتها وادياً فوادياً

* * *

لا في القرية ولا في المدينة

لم اجد واحد ة

جميلة مثلك

انت و بس

فتاة كردية تبهج القلب

تكون كالحورية والملاك (10)

لقد اشتهر الشاعر بأنه يكثر من وصف المرأة ، لكن افتنانه بالنساء نابع اساساً من من نشدانه التوحد في عالم الجمال في تجلياته الطبيعية والفنية ، وقد قدم في هذا الصدد لوحات جميلة تمثل هذا الأفتنان متجاوزاً الواقع المظلم ، متشياً بالجمال الأنثوي المتدفق بايقاعات متحركة مفعمة بالنغم الشفيف والحس الرقيق الرفيف، وبهذا يظل اقدر الشعراء الكرد على صياغة أشواق ورغبات المرء المتجددة المتطلعة الى حب المرأة وجمال الطبيعة ، ولو ينسب بعض الأدباء الكرد الى عبدالله كوران في ( أوصافه للمرأة برغبة غير محدودة- الرغبة الجنسية بشكل مكشوف وصريح، بل ذهب بعضهم الى اكثر من ذلك فقالوا : ان نظرة كوران الى جمال المرأة –كموضوع رومانسي مجرد-جعلت منه الآ يفكر في الوجود الاجتماعي حتى أحياناً في الوجود الانساني للمرأة كإنسانة صاحبة الشعور والعاطفة ) (11) . في حين ان كوران يعشق الفتاة التي تقدر شعور واحساس الشاعر وان كانت اجنبية اكثرمما يعشق الفتاة الكردية حتى وان كانت اجمل منها ، كون الكردية لاتتمتع بالثقافة ولا تولي الأهتمام برغبات وتطلعات وهموم الشاعر، ففي قصيدة(الى فتاة اجنبية)نكتشف جوهر الشاعر في اشارته الى ا لفتيات الكرديات الجميلات او الغير منهن-بشكل عام-التي جلبن انتباه الشاعر، وملأن حياته بالنشوة والفرح والهناء ، ولكن لم يتمكنّ من اطفاء ظمأ قلبه ليستقر ويستكين، بكان هو دائم البحث كطير جائع ينتقل من هذا الغصن الى ذلك الغصن وقد عثر على أخريات كما يقول :

جميلة اخرى ، كمثل هذه الأخريات ،

لم تستطع أن تخمد هذه الروح ،

فباتت هائمة ، متشردة ، جائعة

(لماذا) حسناً لأقول لك ، فإنك تسألين:

لأنها حين تحقق امنية القلب ،

يغدو جمال التراب ، عوناً لجمال الروح،

فليكن الجسد ريعان الربيع زينة ،

يبتغي سماء تمنح الخصوبة للحميع ،

لتعاستي ، حسراتي ، حظي النكد ،

أية حسناء عرفتها الى الآن ،

ما أكثر شعاعاً ورشاقة بالمظهر ،

فعكس ذلك كان قلبها مظلماً ؟

فحضنها كان مظلما ، أعماقها باردة جداً،

لسانها لين ، ضميرها خشن للغاية !

وذلك أيتها الفتاة الأجنبية الشقراء ،

أن انسى تجلي جمالك سهل ،

ولكن الذي اثار مني شعوري :

هو ديوان الشعر الذي أهديتني !

صعب ان أنسى حتى أنفاسي الأخيرة ،

الجميلة التي أرشد تني اليها :

ديوان ( برونس) الذي نغمات شعره

كأنه فتاة تضحك أوتبكي ! (12) .

بما أن عبدالله كوَران شاعر الحب والطبيعة والجمال ، فإن تعامله مع الطبية يختلف عن الشعراء المعاصرين له، فهولا يحاكي ولا يقلد الطبيعة اسوة بالآخرين ، بل يريد ان يخلق منها طبيعة اخرى تنسجم مع احساسته ورغباته ، فهو يريد أن يوحد بين جمال المرأة وجمال الطبيعة ، بل يضفي على الطبيعة رونقا وبهاء بحضور المرأة ومشاركتها حيث لاتكون الطبيعة جميلة دون حضور المرأة فيها ,لهذا يقول :

ولكن الطبعة دون بسمة الحبيبة

بلا ضياء أبد ألآبد ين (13)

السر في ابراز جمالية الطبيعة من خلال مشاركة المرأة الحبيمة تتأتى أساساً من أن الشاعر فتح عينيه في أحضان طبيعة جميلة جذابة ، وبطبيعة الحال فإن (جمال الطبيعة يوقظ في الأنسان الأحساس بجمال المرأة فسيحتضر مفاتنها ويربط بينها في نفسه بشكل أو بآخر ، فقديماً قال دانتي (الحب يحرك الشمس والنجوم ) (14) .

ان جمال المرأة وفتنة الطبيعة ، حين يمتزجان يصبحان اسير الحب ، وبالأخص عند شاعر يمتلك موهبة فذة ، وخيالاً مجنحاً وفكرا نفاذا ولغة صافية لأن (الحالة النفسية مرتبطة في الأساس بعاطفة الحب ، ومتجهة في أكثر توجهاتها الحقيقية نحو المرأة الحبيبة بخاصة في المرحلة الرومانسية عامة، فإن المرأة تشكل حينها الزاوية الأساس في تجربة كل شاعر ، والتجربة الشعرية، اذا كانت المرأة جنيناً يخلق في رحم موضوع الطبيعة الأم ، ويعتبر الأدراك الجمالي للطبيعة اعظم لذة بعد حب المرأة ، واللذات التي يوفرها النشاط الفعلي أحياناً ) (15) .

كوران في تحديه الطبيعة

تمثل الروحية الرفيعة التي يتحلى بها الشاعر والتي تتسامى عن اي هدف سوى الحب االعفيف الطاهر ، وقف كوران في معبد الحب ، مصوراً جمال المرأة (الحبيبة) قبلة أنظاره ، ليلعب دوراً فاعلاً في مجال الابداع ، وهذ الجمال الأنثوي ينير ظلمات قلبه و روحه ، ويضفي عليهما أشواق السعادة ، و لهذا يغدو ذلك الحب قدراً ومصيرأً وحلماً وخيالاً و شوقاً ولوعة للشاعر ، وهذه الحالة تنهض على الخيال الهادئ والسكينة والأحلام الخضراء التي تقود المرء الى الأحساس بجمال الطبيعة وجمال المرأة في اندماج الطرفين حيث يكمل جمال احدهما الآخروحب الشعر لهما ، ولكن حينما تخلو الطبيعة عن حضور الحبيبة ماذا يحل بالشاعر كوران ؟ وأية حالة نفسية تنتابه ؟ :

ان صوتها الناعم يكون بلا نغمة يتناهى الى أذ نه فيقول :

وافرحتاه ! ثم انه يتحدى الطبيعة قائلاً:

أي نجمة لامعة ، اي وردة برية ؟

حمراء كوجنتيها ، شفتيها ؟

أي سواد يرقى الى سواد عينيها ؟

أهدابها ؟ حاجبيها ، جدائلها

المسترسلة ؟

اي رفعة جميلة كرفعة قامتها ؟

أي شعاع يرقى الى شعاع غمزتها

أي شوق ، أي رغبة ، أي انتظار

مطلسم كما هو الغرام ؟ ...(16)

يبدو أن الشاعراستشعر في قرارة نفسه أن الطبيعة اختل توازنها دون حضور الحبيبة ، الأمر الذي ينتابها التوتر النفسي والأختلال العميق( وهذا التوتر الدافع يكون في بداية العملية الأبداعية سطحيا لكنه سرعان ما يتراكم تدريجيا ، ويتزايد مع تزايد المبدع في عمله ومع اشتداد الفعل الأبداعي ، وكلما اقترب هذا التوتر من نهايته ازداد عمقا وثقلاً على الأنا..) (17)

ومن جانب آخر ان فقان الضوء في المشهد الطبيعي يجعل الرؤية معتمة فيطغى عليه لوناً داكناً يشعر فيه الشاعر بالوحدة والفراغ اللانهائي( فالعملية الأبداعية التي يقوم بها المبدع بعد انتهاء عمله

ثم اعتبارها "محاولة لبناء أنفسنا" أو هي محاولة لرأب الصدع الناجم عن تصدع اللحن ،فتبرز لدى الشخص الحاجة الى أنفسنا التي تدفعه الى السلوك المؤدي الى الأبداع )(18).

لم يكن هدف كوران رصد الطبيعة فحسب ، أو تصويرها كالشعراء السابقين وحتي المعاصرين له ، انما ارادبحسه الرومانسي أن يخلق منها صورة اخرى يتوحد من خلالها معها ، وكانها جزء من كينونته النفسية ، للتوصل اسوة بالشعراء الصوفيين الى وحدة الوجود ، او على وفق سنة الحياة الى اندماجه مع الطبيعة بحضور الحبيبة ، فهو ككل الشعراء الرومانسيين يرى ىمحبوبته في اطار الوظيفة الجمالية للشعر ، ومن خلال امتزاج الحبيبة بالطبيعة يشعر بوجوده فيهما ، عندئذ يتجسد ثالوث : ( الذات الشاعرة والحبيبة الفاتنة والطبيعة الساحرة) في لوحة شعرية استخدم فيها الشاعر تقنية الحقل الدلالي التي تتجلى في حقل دلالي آخر ، يمكن وصفه بالفرح الغامر جراء لقاء وحضور الحبيبة في مشهد الطبيعة حيث يتنازعه محوران ينسجمان ويتسعان داخل دائرته في تشكيلة جديدة تتمثل في خلق صورة حية مشرقة للطبيعة بجمالها الوضاء ، والحبيبة ببهجتها والشاعر بإحساسه المرهف الرقيق ، فلولا حب كوران ورغبته الشديدة في حضور الحبيبة في مشهد الطبيعة لما رفض الطبيعة رغم جمالها ، لأنها في نظره بلا ضياء دون مشاركة الحبيبة فيها حيث أن ( الحب بمعناه الواسع جداً لعب دوراً عظيماً بصورة خاصة ، في هذا المقام عند الرومانتيكيين ) (19) ، وكذلك ان الحب وحده هو الذي يستطيع في اعتقاد الرومانتيكيين (ان ينير ظلمات الروح ، وان يجلب الفرح والسعادة ، ولهذا السبب، فقد كان الحب هو قدره ونصيره ومصير احلام الفنان ومادة حسراته و أشواقه )(20) ، ان التصوير الشعري عند – كوران - بخياله الرومانتيكي المجنح على قدر رفيع من القوة والديناميكية ليحقق درجة عالية من الخلق والأبداع ، انه لوحات فنية رائعة تجلب نظر المتلقي ، انه يقف ازاءها حائراً منذهلاً ، ويتساءل كيف تمكن هذا الشاعر أن يقدم تلك اللوحات الشعرية بحس رومانتيكي ، وخيال فياض ، وعاطفة متأججة ؟ يرى- كانت- ان الخيال اجل قوى الأنسان ، وانه لاغنى عنه لأية قوة من قوى الأنسان عن الخيال ، وقلما وعى الأنسان قدر الخيال وخطره ) (21) ، ولولا هذا الخيال الخصب الذي امتلكه الشاعر لما دفعه ان يفكر في مشهد الطبيعة الذي وجد فيه ثغرة لابد من من ردمها ، وليتم ذلك الآ بإحضار الحبيبة ، لأن الطبيعة التي تفقد النور تكون مظلمة وعنئذ لاتظهر جمالية الألوان ، واي شيئ يضفي الروعة والجمال على الطبيعة غير النور ، ولكن هذا النور قد اختفى في عين الشاعر ، كون الحبيبة هي التي تنير تلك الطبيعة ، من هنا ينبغي على الشاعر الذي يرسم بالكلمات ( ألاّ ينقل الطبيعة نقلاً رديئاَ بل يحاول ان يصل بنظره الثاقب الذي صدرت عنه كل الحياة ويصحح النقص في الأشياء المحسوسة ) (22) .

ياترى ألم يشاهد الشاعر النقص الكامن في الطبيعة الأمر الذي جعله ان يصرف النظر عن جمالها، بحيث دعاه النقص الذي شعر به الى تغيير الطبيعة الأعتباطية الى طبيعة ضرورية تستجيب لرغباته ، ان تفضيل الشاعر حبيبته على الطبيعة دعاه الأّ يحفل بها للتأمل والتعمق فيها ، وهذا الموقف جعله أن يدخل بشكل سريع عام الطبيعة مستغلاً اياها للدخول في عالم الحب وجمال الحبيبة ، ذلك الحب و الجمال اللذين ينافسان حب و جمال الطبيعة ويتخطاهما، فالحب الرومانطيقي (يعطينا مثالاً واضحاً مضيئاً على هذا ، فقد احتضن الشهوة الجنسية وانستها، ورفع الجنس الى مرتبة ارقى باستحداثه حب الجمال فأصبح الحب الرومنطيقي بهذه الطريقة يمثل القيم الطبيعية المحسوسة التي تعترف بها التجربة الأنسانية العامة ، بدلاً من القيم المصطنعة التي تتطلب من الأنسان أن ينكر نفسه أولاً...) (23) . لقد قّدم عبدالله كوران لوحة فنية بعد اضافة العنصر النسائي الى الطبيعة، ،( لأن الجمال الفني وحده اساس المتعة الفنية ولا قبيح في الفن الاً لنقص وحدته ، وانفصام أجزائه ، بعضها عن بعض ، بحيث تسري الحياة في جميع أجزاء العمل الفني) (24) .

الهوامش : .............................

1- شيعر و ئة دةبياتى كوردى ، بةشى دووةم ،رفيق حلمى بغداد ،،1956،الجزء الثاني ، اعيد طبع الكتاب عام 1988، مطبعة التعليم العالي ، اربيل ،، ل150و151 ’153 .

2-الواقعية في الأدب الكردي، الدكتور عزالدين مصطفى رسول دار المكتبة المصرية ، صيدا ، دار المكتبة المصرية ، صيدا ،بيروت ، ص107و181 ،182 ،183 .

3-التجديد في الشعر الحديث بواعثه النفسية وجذوره الفكرية، د . يوسف عزالدين ،دار المدى للثقافة والثقافة والنشر، الطبعة الثانية 2007، سورية دمشق، العراق ، بغداد ، ص29 .

4-الحداثة –حداثتنا الشعرية ،مفهومها واشكالاتها، محمداسماعيل دندي، دار معد، سوريا-دمشق ( ب.ط وت)، ص133

5-مجلة طةلاويَذ ، العدد(5و6)السنة الثانية في 1941 .

6- المذاهب الادبية ، د. نصيف جاسم التكريتي ، مطابع دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد 1990 ، ص158 .

7- الشعر العربي الحديث في لبنان ، بحث في شعراء لبنان الجدد، مرحلة مابين الحرببين العالميتين ، د. منيف موسى ، دار الشؤون الثقافية العامة ،0الطبعة الثانية، 1986 ، ص242

8 - سةرجةمى بةرهةمى كوران ، عبدالله كوران ،بةرطي يةكةم ديوانى كوران، كوَكردنةوةو ئامادةكردن و لةسةر نووسين و ثيَشةكى بوَ نووسينى محةمةدى مةلا كةريم ، ضاثخانةى كوَرى زانيارى عيَراق ، بةغدا ،1980 ، ل163.

9- ثورة الشعر الحديث، الجزء الأول –الهيئة المصرية العامة العامة للكتاب ،1972 ،ص 75 .

10- الياس ابو شبكة وشعره ، د. رزوق فرج رزوق دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 1986 ، ص27

11- سةرجةمى بةرهةمى كوران ، ل285

12-نووسةرى كورد، العدد(1) 1987، ل29و30 .

13-سةرجةمي بةرهةمى طوران ، ل48و49 .

14-سةرجةمى بةرهةمى كوران ، ل10 .

15- ما قالته النخلة للبحر ، الشعر المعاصر في البحرين ، علوي الهاشمي ، دار الحرية للطباعة ، بغداد ، ص 41 ،

15- المصدر السابق نفسه ، ص5

17- سةرجةمى بةرهةمي كوران ، ل24

18-العملية الابداعية في فن التصوير ، د. شاكر عبد المجيد ، عالم المعرفة ، سلسلة الكتب ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت العدد109، 1987، ص231 .

19- المصدر السابق نفسه .

20- دراسات نقدية في النظرية والتطبيق ، محمد مبارك ، منشورات وزارة الاعلام ، بغداد ، 1976 ،ص71 .

21- النقد الأدبي الحديث ، الدكتور محمد غنيمي هلال ،دار العودة ، بيروت ، 1987 .ص 410و411.

22- الأسس الجمالية في النقد الأدبي ، عرض وتفسير ومقارنة ، د. عزالدين اسماعيل ،دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد 1986 ، ص141.

23- رالف بارتون بري ، انساتية الانسان ، ترجمة سلمى خضراء الحيةسي ،منشورات مكتبة المعارف ،بيروت ،1961 ، ص27 .

24- النقد الادبي الحديث ، الدكتور محمد غنيمي هلال ، ص333 .


ئەم بابەتە 10 جار خوێندراوەتەوە
بابەتی لەیەکچوو