أبٌ عبر الهاتف

آرام کاکەي فلاح

ت: آزاد سوران

أنا أبٌ عبرَ الهاتفِ، لي ابنة، نتحدث يومياً معاً عبر الهاتف. حين انفصلنا، أنا و امها، كان عمرها سنة واحدة، هي الآن في الخامسة، كل مساء حين تريد الخلود إلى النوم علي أن اتصل بها وأروى لها حكاية جديدة، وأرسل اليها عبر الاسلاك قبلة. وأحييها بتحية المساء، ولكن كثيراً ماتستغرق في النوم كملاك خالية البال قبل أن تصلها تحية المساء، دكتوري العزيز! جئت اليك لأني أيضاً أريدُ أن أنام. أربعة سنين مضت من غير أن أنام. أحسُ أني لم أنم. والاصح هو اني قلما أنام. لا يستغرق نومي أكثر من ساعتين، شجعني رفاقي على إيجاد طبيب نفسي وأتحدث معه، أرجو المعذرة إذا قلت أني لا أؤمن بمثل هذه الأمور، لا أؤمن انك ستعالج مشكلتي. لأنني أنا الذي خلقتُ لنفسي هذهِ المشكلة، وكأنني حفرت حفرة عميقة ثم نزلت إليها بقدمي. حفرة لا يراها أحدٌ سواي، حتى لو استغثتُ صائحاً الف مرة ، وإذا لم تكن تر الحفرة كيف يمكنك إخراجي منها؟ حتى لو حملت حبلاً.

هلا خبرتني من أين تدليه؟

قد أزورك عدة مرات واستلقي على هذه الأريكة واروى لك قصتي فيهدأ بعض الشئ قلبي، ربما خفِ من خلال روايتي شيء ولو قليل جداً، من الثقل الجاثم على قلبي، ولكني لا أستطيع بعد الآن أن أطفئ بالنفخِ النار التي شبت في وجهي وشعري، ولن انتصر وأنا أعزل في تلك المبارزة بالسيوف، دكتوري العزيز! لا تعجب من استخدامي لهذه التعابير الغريبة، فأنا حين أمضي إلى فراشي للنوم كأني أمضى إلى المعركة. ليلة بعد أخرى أحسُ أني لن أفوزَ في هذه المعركة ، أنا أشدُ تعاسةً من سيزيف وبدلاً من صخرة أحمل صخريتين على كاهلي، صخرة هي عقوبة الالهة والأخرى هي معاقبني أنا لنفسي، وأعرف يقيناً أني لن أصل بتعرقي الغزير ليلاً و عيوني المتورمة كالارغفة في الصباح حاملاً هاتين الصخرتين قمة الجبل.

لقد علمتني تجربتي خلال هذه الأعوام المحدودة أن الشئ الوحيد الذي أستطيع القيام به هو أن انظر الى النوم كمعركة. ولهذا لجأتُ إليك لكي تصالحيني مع النوم، لا أريد أن أتخذ النوم عدواً لي، لأنني في النهاية سأهزم. فأنا الذي أحتاجه وليس هو الذي يحتاجني، هذا أنا الذي أدور كل اليوم وأعمل ذاهلا،ً وفي الليل أعود إليه، طبيبي العزيز، خبرني ماذا أفعل؟

-أنت دعنا نعود إلى البداية، حين تنتهي من الحكاية وتنام ابنتك و سماعة الهاتف في يدك ، كأبٍ ما الذي تحس به؟ من خلال أنفاسها أعرف أنها نائمة، وأشفق أن أردد ألو، ألو، كي لا أو قظها، مطمئناً أصغي مدة إلى أنفاسها. فاردد في نفسي ألو ، ألو يا ابنتي الجميلة، ألو ، ألو ، يا نجوم السماء ألو، حتى ينبري صوت أمها عبر الهاتف قائلةً، أنها الآن نائمة، شكراً، الشئ الوحيد الذي تفكر فيه حين تستيقظ في الصباح هو في أي مكان من الحكاية غرقت في النوم، رجاءً سجل ذلك عندك لأنها ستصدع رأسي.

-وحيد تغلق الهاتف بماذا تشعر؟

أشعر أن ابنتي بجانبي، أسمع أنفسها ولكني لا اراها. كأعمى يجلس في مواجهة مرآة، ويصر على أن صورته ماثلةٌ في المرآة ولكنه لا يراها، يتولد لدى نفس الأحساس، يا ابنة ابيها ! كان يا ماكان، كانت هناك نحلة صغيرة، كانت جميلة وشجاعة تشبهك تماماً. كان لون هذهِ النملة برتقالياً، يحكون ويروون أن أم هذه النملة كانت قد خبأتها وهي صغيرة لمدة شهرين داخل خوخةٍ، لكي لا يؤذيها أحدٌ، وفي ألنهاية حين خرجت تحول لونها من السواد إلى اللون النارنجي،

يا ابنة أبيها.. يا ملاكي! كانت النملة على صغرها قوية وذات إرادة كانت ضعف حجمها بألف مرة. إنها الوحيدة بين الأحياء التي تستطيع تحمل اضعاف وزنها ثقلاً من غير أن تئن وتتأوه ، هل تعرفين لماذا لا تتأوه؟

-لأن النملة لا تعرف الكردية لكي تردد أه، أليس كذلك يا بابا!؟

-لا يا ابنتي! إنها تجيد الكردية وكل ما في الأمر أنها لا تعرف التعب. ولهذا أحبُ أنا أيضاً أن تكوني مثل النملة، شجاعة ولا تعتبري نفسك قطُ وأنتِ بهذا الصِغَرِ أنك ضعيفة وعاجزة.

-وبماذا تحسُ حين تذهب إلى المخدع؟

يا دكتور أفكر في كل شيء، تمر بذهني أمور شديدة التفاهة والسخفِ أعجز عن السيطرة عليها، على سبيل المثال، أن ابنتي تنام بصورة مضطربة جداً، تلقي أحياناً وهي غارقة في حلاوة النوم بالغطاءِ على وجهها، أخشى أن يحدث لها ذات يوم شيءٍ، وقد حدث ذلك ذات مرة، فأسرعتُ لإغاثتها. ضاقت أنفاسها بشدة، وها أنا الآن بعد عامين لا أنسى ذلك المشهد، مشهد إختبأ في أحداقي. ويوجه كل ليلة ركلةً جديدة إلى عمري.

-وأمها ألا تعتني بها؟

بلى، وما من عتبٍ لي عليها. فهي تنظر كما تقول كل ليلة اليها. وأن كانت الآن قد كفت عن مثل هذهِ الحركات ولا تلقي بالغطاء على وجهها، ولكني أحدثك عما يدور في ذهني.

تزيح أحياناً الغطاء عن نفسها، وفي بعض الأحيان حين تأتي للنوم عندي، أدخل عزفتها حتى الصباح مائة مرة وأغطيها كي لا تصاب بالبرد، وأستيقظ منتبهاً وأنا في غرفتي لأقل حركة تقوم بها وهي في غرفتها ومن ثم يتعذر عليَّ النوم بعد ذلك.

يا ابنتي الجميلة! هذه النملة البرتقالية وأن كانت تفوح منها رائحة الخوخ إلا إنها كانت تحب التفاح، واعتادت أن تتسلق كل يوم شجرة تفاح، وتأكل التفاح وتحمل في عودتها إلى البيت بضع قضمات منها.

حين تسلقت ذات يوم شجرة التفاح لم تجد عليها ولو تفاحة واحدة. مضت من هذا الغصن إلى ذلك وهوت من على هذهِ الورقة إلى تلك الورقة، غضبت بشدة واغتمت، تخيل بنفسك كم ساعة يستغرق تسلقها ومن ثم تعود في النهاية خالية اليدين حيث يستغرق النزول نفس المدة، أنهكها الجوع، بعد أن نزلت ذهبت إلى بيت الارنب الأبيض الجميل الذي كان أقرب البيوت لشجرة التفاح و طرقت الباب،

-وماذا عن تلكما الساعتان اللتان تقول انك تنام خلالهما بصورة جيدة أم تستيقظ بين أونة وأخرى؟ لا يا دكتور، أي جيدة، استيقظ كل عشرة دقائق، وخلال تلكما الساعتان أرى عشرات الاحلام المزعجة، ذات يومٍ ستقتلني أحلامي، يا دكتوري العزيز، أحلامي تقتلني، أحلم أني اسقط من مكانٍ عال جداً. أحلم أن هاتفي الجوال ينفلت مني ويسقطُ في الماء أثناء حديثي مع ابنتي حيث تقول بابا أخبرك بكلام مهم جداً، تحت الماء تذوب الأصوات كقطع صغيرة من الثلج ، حلم آخر، رأيته منذ عامين وهو لا يفارقني ويتكررُ في كل ليلة، أجد فيه نفسي أني أريد العودة إلى البيت وأعجز عن العثور عليه، في أحلامي افتقد البيت بشدة، و أكون بحالة شديدة السوءِ و أفتقد الرفقة كثيراً، أعود إلى مدينة طفولتي ولا أعرف أحداً وما من أحدٍ يتعرفُ عليَّ، وينال نصف المدينة من نصف الآخر والنصف الآخر يسبُ ويشتم، أمرُ بزقاقنا و كل الوجوه فيه جديدة، أريد أن أفتح باب الزقاق بمفتاح ولا أحمل مفتاحاً، اضغط زر الجرس وما من أخد يفتح لي الباب، أضغط زرالجرس ومامن تيار كهربائي، وتصعقني الكهرباء.

حين قرعت النملة الباب، فتح الأرنب لها الباب وقال مَن؟ هذهِ أنا، صديقتك النملة البرتقالية، هل يمكنني الدخول لزيارتك؟ حين دخلت رأت مئات التفاحات، فأدركتْ مباشرة أن الأرنب قد قطف كل تفاح الشجرة.

أخذها لنفسه، ولهذا استاءت بشدة، قالت أيها الأرنب العزيز! أعرف انك طيب القلب ولكنك اخذت كل التفاح لنفسك، لقد فكرت بنفسك وحدها، لا يجوز أيها الولد الطيب! هذه شجرة تفاحنا كلنا، سامحك الله...

ذلك لآني فكرت بالشتاء أيتها النملة الطيبة الرائحة، فإذا حل الشتاء ماذا أفعل؟ أنت نملة، أكثر مهارة مني، تخرجين طعامك من تحت الأرض، ولكن ماذا عني؟ لقد عُرف الأرنب بالطمع والنملة بالذكاء بين رفاقهما، قالت حسناً، أنا جائعة، أيها الأرنب الجميل، ذهبت لأكل التفاح ولم أجد شيئاً هناك وبيتك ممتليء بالتفاح، أنت تستطيع أن تعطني تفاحة عند خروجي،

-بلا شك، أعطيك تفاحةً تأخذينها معك.

-حسناً فأني أغادر الآن، تناولت تفاحة ونظرت إلى الأرنب قائلةً: أيها الأرنب الجميل، أنا شديدة الجوع هل استطيع تناول التفاحة هنا؟

-إنها لك، افعلي بها ما تشائين.

فاكلت كل التفاحة، شكراً، إنها الآن نائمة، أكتب ذلك عندك، لكي لا تنسى، إرولها البقية، مساء الغد، وإلا فإنها ستسألُ ألف مرةً. ابنتنا هذهِ تشبهك، نعم، تشبهك تماماً، تحب الحكايات والسير.

دكتوري العزيز: أنا اتذكر حتى الصباح كل من غضب مني، أرى كل الذين تعاملوا بقسوة معي، وغرفتي تتحول من غرفة للنوم إلى غرفة للذكريات، والسرير الذي أنام عليه بدلاً من أن أستلقي عليه و استغرق حتى الصباح في نوم عميق يصير مكاناً للحفر في ذكريات الطفولة. وبدلاً من أن يفتح لي النوم أحضانه، يحتضنني التردد و يعضُ حتى الصباح ألف مرة مقلتي، ولكني في ذلك البحث أتعرض أحياناً للتعب الشديد بحيث افقد الوعي وأغرق كالمغمى عليه في النوم.

يا ابنتي! ايتها القردة الجميلة! حين أكلت النملة تفاحتها. قالت حسناً، شكراً جزيلاً، أنا ذاهبة، أعطني التفاحة التي وعدتني بأخذها معي عند المغادرة، قال الأرنب:

-أولم تأكليها؟ فقالت ولكنك وعدتني أن أخذ معي عند المغادرة تفاحةً، وها أنا مغادرةٌ.

يا عزيزتي! كما ترين أن الوفاء بالوعد مهم جداً ولهذا فاءن على الانسان أن يفكر جيداً عند أعطاء الوعود، حين منحها تفاحةً أخرى قالت: أيها الأرنب العزيز، هل أستطيع أن أأكل تفاحتي هنا؟

-أنها تفاحتك إفعلي بها ما تشائين.

فأكلت التفاحة وقالت ها أنا ذاهبة، إعطني تفاحتي لأخذها معي.

-ألم تأكليها؟

-فما الذي قلته انت؟ ألم تقل خذي معك تفاحة عند المغادرة. فهل ستطردنى من بيتك من غير أن أحمل معي تفاحة. ياوردة الجوري، ياوردة أبيها، وبهذهِ الطريقة أكلت النملة عشرات التفاحات حتى قالت في النهاية هل أستطيع أن أأكل تفاحتي هنا؟ أدرك الأرنب حيلتها وقال لا، لاتأكليها هنا،فليس هذا بيت أبيك، خذيها إلى بيتك ، وسأحملها لك حتى البيت، وبدلاً من التفاحة الواحدة أعطيك ثلاثة تفاحات. احداهما للفطور والأخرى لغداء الظهيرة والأخيرة للعشاء. وإعتبرت النملة ذلك فرصة، فقالت:

-و واحدة أيضاً بالله عليك لصديقتي ( الدعسوقة) وتفاحة للبعوضة التي سكنت حديثاً في محلتنا، وواحدة أخرى لتلك الدودة الصغيرة القميئة التي أكل الغراب القبيح أمها. فقال حسناً وأنا أيضاً اطلب العفو لقطفي كل التفاح، المجموع هو كم تفاحة يا إبنتي؟ ستة تفاحات، أصبت، أخذت ستة تفاحات، ثم حمل لها التفاحات إلى البيت.

أيها الدكتور، حين أستيقظ، أهرول مباشرةً لأنظر إلى الهاتف، خشية أن تكون ابنتي قد ها تفتني لأمر ما وفاتني سماعه.

-آسف، أنتهى الوقت المخصص لك، هذهِ الأمور التي ذكرتها سأصغى إليها مرة أخرى، إذا رغبت في الأستمرار، يمكنك العودة في العاشرة من صباح يوم الأربعاء. لتكملة جزء آخر من قصة حياتك.

لا، يادكتور، أظن أني ساعود، وكما ذكرت لا أؤمن كثيراً بمثل هذهِ الأمور، ومع احترامي لمهنتك، إلا أني أحسُ أن هذهِ المعركة هي معركتي وعلي أن أخوضها بنفسي، ويجب أن امتلك الجرأة لأن أرويها لنفسي قبل أن أرويها لأي كان، ومن ثم استطيع كتابتها لنفسي ، لكي ارويها في النهاية لشخص عزيز علي مثلك لتساعدني، هذا الذي رويته لك اليوم هو قطرة واحدة من بحرٍ بلا بداية ولا نهاية، ولكن إذا غيرت حتى الأربعاء رأيي، فأني سأعود إليك لا كمل لك القصة.


ئەم بابەتە 7 جار خوێندراوەتەوە
بابەتی لەیەکچوو