yelmazguney.jpg

السينما والقصة الكردية الحديثة محمد فريق حسن نموذجاً

عبدالله طاهر البرزنجي

في معرض حديثنا عن علاقة الأديب الكردي بالسينما في (إحدى دراساتنا بعنوان (السينما والشعر الكردي ) المنشورة في مجلة كه لاويزي نوي الكردية ، قلنا ان العلاقة قامت على مستويين أو نمطين .

هناك شعراء وأدباء استجابوا لتأثير السينما تلقائياً بدون وعي حقيقي ، من جراء بسط ثقافة الصورة سلطتها على الحياة وكافة القنوات الثقافية والأجناس الأدبية ، وهناك علاقة أخرى واعية تجلت لدى قلة قليلة ونادرة من الشعراء والقصاصين ، يقف القاص والكاتب محمد فريق حسن في مقدمتهم ، بل يمكننا القول أنه الأول من بين الأدباء الكرد الذين ارتادوا عوالم السينما في القصة ، واستخدم واعيا تقنيات سينمائية واضحة في قصصه ونصوصه ، بل هو الأول والرائد في تقريب القصة الكردية من فنون السينما والمسرح والشعر والفنون التشكيلية ، لتوظيفها في القصة مستفيداً من بنى التمازج لانفتاح جنس أدبي على آخر . لعل المقدمة التي كتبها عام 1979 لقصصه القصيرة ( عقد من المنمنمات المائية ) خير دليل على ذلك . ففيها تطرق إلى الحديث عن تجربته المتكونة من استخدام تقنيات الفنون الأدبية لصالح بناء قصصي حديث ومتين ، فيذكر بوضوح الأجراءات الفنية التي قدمها من خلال ذكر وتوظيف أليات سينمائية ومسرحية وشعرية حققت جدواها في إغناء معالم قصصه ، علماً ان تواريخ كتابتها تعود إلى منتصف السبعينيات فصاعداً .

في هذه الدراسة نحصر حديثنا في العلاقة بين السرد والسينما في قصصه ونرجئ تناول علاقة القصة مع الأجناس الآخرى إلى مناسبة أخرى .

في سبعينيات القرن المنصرم اجتازت القصة الكردية شوطاً جديداً ودخلت عوالم واقعية ممزوجة بسحر الواقع مرجعاً وليس تياراً واقعياً سحرياً ، على غرار ما نجده لدى غابريل غارسيا ماركيز .

لقد كانت السردية التقليدية الانتقادية طاغية على بدايات القصة الكردية حتى السبعينيات ، وكانت واقعية النص القصصي نسخة فوتوغرافية للمرجع الواقعي ، مما حدا بالكتاب أنفسهم إلى الدعوة إلى الخروج من هذه القوقعة وإعمال الخيال وتشغيل المخيلة ، أثار القاص والناقد والشاعر الراحل مارف برزنجي هذه الأشكالية في وقت مبكر، فظهر لديه إرهاص بضرورة إبعاد القصة الكردية عن الواقعية الفوتوغرافية الجامدة ، ففي مقال حول اشكاليات القصة الكردية يقول (على القاص أن يتوغل في الأعماق كي يظهر لنا زوايا خفية للحياة ،ولايتم ذلك أن يصور ما رأى على نحو فوتوغرافي ،بل ينبغي أن يطلق له خياله كي يسترسل )(1) غير ان العمر القصير لم يمهله ليتحرر هو ومجايليه عن ثقل الواقع الفوتوغرافي ، إذ إعدم غدراً في سن مبكرة جداً .

يبدو ان هذا التوجه الفني بدأ يتحقق في السبعينيات على يد قلة قليلة من القصاصين يتصدرهم: حسين عارف ومحمد فريق حسن والقاص الراحل لطيف حامد وعبدالله السراج و...

ففي هذه المرحلة ظهرت عند هؤلاء ، واقعية جديدة لتحل محل الواقعية الأجتماعية التقريرية والفوتوغرافية التي سادت السردية قبل عقود. إن حسين عارف في نصوصه الجديدة بحث في وجوه شخصياته وأحداث قصصه عن سحر كامن في الواقع وليس الواقع بسطحه البراق الخادع . واستطاع محمد فريق حسن رصد الأعماق من خلال تحليل وقراءة الجانب البراني للشخصيات القصصية العامة ، ولعل خير ما وجده وفعله محمد فريق حسن هو قيامه بانتقاء الناس البسطاء والمحرومين والمهمشين ، الذي ينسجم ونزعة القاص الواقعي الجديد. في قصص محمد فريق ، بخاصة المستخدمة فيها تقنيات السينما تكثر الأفعال ويقل دور الراوي العليم ولا يتدخل المؤلف كثيراً لوصف أعماق النفس ووصف أحساسيهم وما يدور في خلدهم من أفكار وهواجس ، فيلجأ بدلاً من كل ذلك إلى وصف موضوعي دال ليجسد الفعل الخارجي ما يقبع في الداخل ، وقد تشح أساساً البؤرة النفسية لدى هؤلاء البسطاء والمهمشين والمحرومين بسبب انصرافهم إلى هموم الكد والعمل والعيش، فلا يسمح لهم ذلك بالذهاب إلى أعماق النفس والتخيلات والهواجس الفكرية.

( إن أهم مايحققه الوصف الواقعي الموضوعي هو (الغياب الظاهري للراوي ، هذا الغياب الذي يترتب عليه ظهور أو بروز وجهة نظر القارئ . لقد كان التحليل حتى عام 1920 يبيح للراوي على وفق الرؤيا من الخلف ، أن يلج افكار شخصياته الأكثر خفاء ويعلق عليها ويشرحها ، أما في الواقعية الجديدة ، فقد أختفى صوت الرواي واسلوبه واختفت الرؤية المجاورة وغدت الرؤية مجموعة من الأحداث الموضوعية التي اختيرت بمهارة وقطعت في نقل محايد للواقع . إن الاسلوب يقوم هنا على الوصف الخالي من التعليقات الذي أسمته كلودا أدموندماني (عين الكاميرا) : رؤية لايتدخل فيها المؤلف حيث لايقال فيها إلا مايمكن أن يلحظه مصور سينمائي موضوعي أو تسجله مسجلة صوت .)(2).

استخدم محمد فريق حسن في إطار التداخل القائم بين السينما وقصصه تقنيات سينمائية عديدة منذ أواسط السبعينيات ، هناك نصوص قصصية له اشبه بسيناريو ، أو هي قصص سيناريو تكاد تكون قريبة جداً من المرحلة التي تدفع فيها إلى التصوير ، وهناك قصص أخرى له تكثر فيها لقطات سينمائية متنوعة ، مستفيداً في ذلك من عملية التوليف والمونتاج .

في قصة ( ارتخاء الخطوات) المكتوبة عام 1978 تُوظف لقطات سينمائية كثيرة تدور حول عمدة القرية الذي يعيش حالة بؤس بسبب فقدانه السلطة والهيبة والرهبة ، في نظر أهل القرية الذين ملوا تصرفاته الوقحة .

مايبعث على السخرية من قِبلهم ، هو انه لايريد ان يعترف بفقدان بصره بل يخفيه ،خشية من زوال وخسران منزلته الاجتماعية ونفوذه في القرية .

تتعدد الأفعال في القصة وتغطي كافة مشاهد النص والحوار ، وقد استخدم الكاتب الضمير المخاطَب وكأنه هو المصور السينمائي المضطلع بالتقاط صور عبر الأفعال الخارجية لأضاءة شخصية العمدة . وعن طريق الفلاشباك (الاسترجاع ) يستعيد العمدة موقفاً حدث له قبل شهر أثناء وقوعه في حفرة . يقطع الكاتب المصور المشهد بحورات بين العمدة وأهل القرية الذين يؤكدون له ان تعثره بالأحجار ووقوعه في الحفرة يعود إلى بصره المفقود وليس إليهم . بعد قطع آخر يعيد الفاعل إلى الحديث عن مكان آخر ليحاور نفسه فيسقط ثانية في نبع القرية المزدحم بالنساء والفتيات.

هنا يميل القاص إلى استخدام الحركة البطيئة (slowntion) ، لتصوير وقوع العمدة ثانية في نبع النساء .

إن اسلوب الحركة البطيئة يمنح الحركة المصورة إيحاء بالدقة ، وتعني عرض الصور على الشاشة بسرعة أقل من السرعة المعتادة . استخدم بعض المخرجين الحركة البطيئة للأيحاء بالأحلام أو الحالات المشابهة ، وتعبر عن اللحظات الشاعرية والغنائية والرعب والخيالات والجمال والجوانب النفسية بالحركة البطيئة(3).

استعان محمد فريق بالحركة البطيئة في هذا النص ليوحي بالدقة إلى الموقف الهزلي البائس لتعثر العمدة وسقوطه كجسد فيزيائي أولاً بسبب ظلام بصره ،وسقوطه معنوياً وإجتماعياً ،ويؤكد عبر هذه الحركة البطيئة لتصوير الوقوع ،على كمون العلة في صحة العمدة وليس في تدبير مؤامرة ضده من قبل الآخرين . فالحركة البطيئة أعطت القارىء المشاهد بعداً مفارقاً لتعثر الشخصية الرئيسة ، بعدها تعود حركة القصة إلى سرعتها الطبيعية .

في قصة (تداخل الأشياء ) يشبه القاص مصوراً سينمائياً حاملاً كاميرا يديرها ويحركها في الأمكنة والزوايا لالتقاط المشاهد وتصوير الأحداث .

ما ان يظهر الفاعل الرئيس في القصة حتى نراه يدخل صالة سينما فيعرض فلم يراقب ويتابع أحداثه ، ثم يخرج من الصالة قبيل إنتهاء الفلم ويجد نفسه متوجها نحو الساعة الكبيرة المعلقة في ساحة سراي المدينة، يتخيل وقد أصبح هندياً أحمر عارياً ، من الذين أضطهدوا وقاوموا في الفلم ، فيرى نفسه وقد تعرى من ثيابه حاملاً رمحاً مثلهم (حين حاذى الساعة المعلقة على جدار ساحة السراي ، توقف قليلاً ..

نظر حواليه . ساورته تخيلات مضببة ..

جردوه فيها على مهلهم من ثيابه ..

تعرى تماماً .. اكتسب جلده لوناً رمادياً..

حزمة أرياش غدت سياجاً لرأسه ..

فرشاة رسمت لوحتين سورياليتين على وجنتيه .. منحوه رمحاً طويلاً قدر قامته الرفيعة..رفعه.. واستعد . استدار راكضاً نحو اليسار وبكل ما اوتي من قوة في ذراعيه رمى الرمح..

حين استعاد حالته الطبيعية ، أحس بالاغتراب في تلك اللحظة كان يود ويرغب أن يضع يده خلف أذنه ويرفع عقيرته بأغنية كردية.)(4)

أثناء دخول وخروج الشخصية صالة السينما تجري أحداث قصة ثانية تعرض في فلم . يعرض أمام دار في القرية عرس صاخب لحبيبين يتجمهر حولهما الهنود الحمر وسرعان ما تظهر في السماء تنانين حديدية تمطرهم بالرصاص فيقاومها الهنود بأسلحتهم البسيطة (الرماح)دون خوف ووجل ، ويسعى العريس إلى إنقاذ العروس التي لاتجد سوى رمي نفسها في النهر لئلا تقع أسيرة ذليلة في أيدي التنانين.

هذه القصة أشبه بفلم سينمائي معد ، يحمل القاص المصور كاميرا فينتقل بين الأمكنة والأزمنة المختلفة ، تارة يركزها على العناوين البارزة والجبال والوديان والأكواخ عبر لقطات بعيدة لتُظهر المشهد التأسيسي العام ، وأحياناً يلجأ إلى المونتاج ليجمع لقطات متتابعة سريعة :

(رويداً رويداً تقترب الكاميرا من جبل . كثبان ثلجية فوق القمم تتنحى جانباً خوفاً من الشمس . صقر يحوم فوق قمة . وفي الأسفل ، هنا وهناك الأكواخ المبنية من القش أشبه بسرب من الباز يجثم على الأرض . أمام كوخ ، زهرتان متفتحتان تتمايلان على بعضهما . قطيع من الجياد يتقدم ويدنو من الكاميرا . بحركة بانورامية تدور الكاميرا فيبطئ تساقط أحجار متلاحقة من سرعة الجياد . قطيع من الأغنام مائلة برؤوسها على الأعشاب المخضوضرة .)(5).

ففي هذا المشهد جُمعت عبر عملية المونتاج لقطاتٌ عديدة بغية عرض المكان التأسيسي وتتجلى مهام الكاميرا في الانتقال والالتقاط :

1-كثبان ثلجية.

2-صقر يحوم فوق قمة.

3-أكواخ من القش.

4-سرب من الطيور الجارحة.

5-زهرتان متمايلتان.

6-قطيع من الجياد.

7-قطيع من الأغنام يمرح ويسرح.

ونقرأ في مشهد آخر : (تقربنا الكاميرا) من كوخ كبير . ينهمكون أمامه في رقص ذي صفوف ثلاثة . مع هز الأجساد تتحرك وتتمايل النهود ، تتشابك الأكتاف . تتلاحم أصابع خطيبين .)(6)

لقد اُستُخدمَتْ اللقطةُ البعيدة جداً لعرض المناظر الطبيعية كما استخدمت اللقطة التأسيسية لتوضيح المكان المراد تصويره (قرية وميدان صاخب بالعرس). كما يختار القاص اللقطة القريبة واللقطة القريبة جداً في المشهد لتصوير بعض الراقصين أو خطيبَين . إن الغرض من استعمال هاتين اللقطتين هو (تصوير الشخص من أعلى رأسه حتى أكتافه ، أو أي جزء تفصيلي من شيء يتم تصويره ، أو تصوير جزء صغير من ثلثي المصور قد تصل إلى مجرد عين أو فم )(7) هذا بالنسبة إلى اللقطة القريبة جداً. أحياناً يركز القاص عبر هاتين اللقطتين على نهود الفتيات الراقصات دون كامل قاماتهن ، أو على الأصابع العشر المتشابكة لخطيبَين دون اليدين أو الذراعين كلهما، وذلك لتبيان حالة الفرحة العارمة التي تغمر قلوبهم ، بدون أن يلتفتوا إلى الأسى والمخاطر التي تباغتهم بضراوة . وهذه التفاتات ذكية من القاص المصور تتوافر في معظم مواضع القصة. وفي مشهد آخر ينتقي الكاتب من مشهد يضم مجموعة من الفرسان فارساً لتركز الكاميرا عبر لقطات قريبة جداً على فخذيه ، ولونه النحاسي ، ووجهه المخطط بالنقوش ورأسه المزين بالأرياش الزاهية بغية تزويد القارىء المشاهد بهويته.

تتحلى قصة (العروسان ) المكتوبة عام1972 بخصائص سينمائية تتضمن اللقطات بأنواعها والمونتاج والمشهد والاسترجاع والاستباق عبر حوارات داخلية قصيرة وبناء قائم على شكل السيناريو.

تدور القصة في أربعة مشاهد ، كتبت على نحو مايكتب السيناريو ويضع القاص لكل مشهد رقمين ( الأول والثاني) ، أحياناً يمثل الأول مشهداً خارجياً يقع في النهار ، ويمثل الثاني مشهداً داخلياً يقع في الليل والأماكن المظلمة.

وبدلاً من أن يصرح بذكر وتثبيت مصطلحي (نهار - خارجي ، أو داخلي – ليلي) يصف مقابل الرقم الموضوع في المربع، الزمنَ والمكانَ ، أهو ليل أم نهار ، أماكن خارجية طبيعية أم داخلية مغلقة؟ . فالقاص يسرد عبر لغتي الصورة والصوت مشاهد النص .

معلوم ان السيناريو الذي أفاد منه القاص هنا وفي بعض الأماكن الأخرى ، يكتب بطريقتين :

1-الشكل المتوازي

2- الشكل المتقاطع.

ففي الشكل المتوازي تُقسَّم الصفحة-بشكل عمودي _ إلى عمودين:

العمود الأيمن ويتضمن تفاصيل الصورة ، والأيسر للحوار والصوت ، ويكتب الرقم المسلسل للمشهد في أعلى الصفحة يميناً ، ثم يُذكر الديكور أو موقع التصوير في وسط الصفحة وفي أقصى اليسار يوضح وقت المشهد وموقع التصوير (خارجي أم داخلي).

أما في الشكل المتقاطع فتتم فيه كتابة الصورة والصوت بشكل متقاطع متسلسل دون فصل وتتم فيه كذلك الأشارة الى الحركات التفصيلية التي تتخلل الحوار.(8)

استعان القاص بتخطيط السيناريو لبناء قصة وتطوير عدته السردية ، فوظفه في أكثر من قصة ، غير أنه أراد أن يكتب قصة قصيرة وليست سيناريو للسينما ، لذا لم يلتزم حرفياً بالشكل المتقاطع ولا بالشكل المتوازي لكتابة السيناريو.

تدور القصة حول عروسين من الطبقة المهمشة ، يعيشان في غرفة مستأجرة في حي شعبي مهمل ، تبدأ بمشهد خارجي نهاري يرينا خروج زوراب وهو يدفع عربته إلى السوق وينتهي بمشهد داخلي ليلي نرى فيه زوراب مع زوجته ، بين هذين المشهدين صُورَت مشاهد أخرى معظمها نهاري وخارجي يخص علاقة زوراب بالعمال ومراقبي البلدية ، ومعاناته اليومية في هذا العمل الشاق :

1- لما أفاق زوراب في الصباح واحتواه الشارع ، كان معظم رجال الحي ، نائمين.

لم يحدد القاص نوع اللقطة والمشهد أمام هذه الجمل (مشهد نهاري خارجي) إلا اننا نسنتنج ذلك ونميزالنوع من خلال الوصف الصوري لحالة الشارع ، ونعرف من خلال هذه الجمل الاستهلالية هوية البائع الجوال زوراب .

سبق ان قلنا ان معظم مشاهد القصة خارجية تنجز وتصور في النهار، لانها تتمحور حول شخصين من الطبقة المعدومة لا أسرار ولاخفايا ولاخصوصيات لهما حتى تلتقطها الكاميرا باسلوب اللقطات الداخلية ، إنه أمر طبيعي أن تكون اللقطات خارجية نهارية ، لكونها تصور يوميات عمل شاقة لبائع متجول يمضي معظم أوقاته في السوق بين الباعة والعمال.

وفي إنتقاء أحد أنواع المونتاج مال محمد فريق حسن إلى مونتاج الترابط الزمني والمونتاج الزمني (ويكون بتسليط آلة التصوير لرصد مشهدين كل واحد منهما مستقل عن الآخر ويقعان في مكان واحد أو مكانين مختلفين أو حتى أماكن متعددة ، ثم يقوم بالمناوبة بين هذين المشهدين أو المَشاهد حتى يُشعر المُشاهد انها تقع كلها في زمن واحد.

فالمَشاهد في هذا النص مستقلة متباعدة في الزمان والمكان ، أو تجري أحداثها في زمن واحد ولكن في مكانين متباعدين عن بعضهما . ففي المشهدين المرقمين (1-2) يقع الحدثان في النهار ولكن في مكانين مختلفين (الأول في السوق ) و(الثاني في الحي الشعبي أمام منزل زوراب . فالكاميرا تكون مستعدة لالتقاط مشهد أمام بيت زوراب والانتقال بعد قطع إلى التقاط المشهد الآخر في سوق مزدحمة.

في قصة ( عالم خاص) يرصد القاص عالماً خاصاً للعم كريم الشخصية الرئيسة في النص ويجعل منه لازمة فنية تكرر من استهلال القصة حتى خاتمتها، ويركز عبر هذا العالم الخاص على همومه وبحثه اللامجدي عن إبنه السجين فيعود خائباً إلى مدينته .

يعقد القاص مقارنات عبر رؤيا الشخصية وفي لقطات قريبة على ثنائية الداخل والخارج .

الداخل الذي يمثله ظلام السجن القابع فيه إبنه ، والخارج الذي تمثله حركة الباعة والمرور وتحليق سرب اليمامة فوق منارة الجامع . يحوي الأول فضاءً مغلقاً يرتسم في الأقبية المظلمة والغرف السرية وزنزانة التعذيب ، ويحوي الثاني الحركة الطبيعية للمارة في الشارع ونشوة العصافير والطيور المرحة في رحابة السماء .

العنوان (عالم خاص) يصبح مرتكزاً يسلط القاص معظم الضوء عليه لأنه أصبح في جميع مواضع القصة موضوعاً ومحركاً للأحداث ، لكنه عالم يرتسم في الذاكرة وينشط عبر التخيل ، عالم ينشىء ثنائية الخارج والداخل ، خارج ضاج بالحركة ، وداخل تقمع فيه الأصوات ، خاصة صوت هيوا إبن العم كريم الواقع بين مخالب الجلاوذة . كلما رأى العم كريم شاباً يمشي الهوينا أو طائراً حراً في انطلاقته أو شخصاً في الزي العسكري ، عاد إلى عالمه الداخلي ليتخيل عالم إبنه البائس . ولتصوير ذلك وتجسيد الحالات يلجأ القاص إلى الأسلوب السينمائي مستفيداً من اللقطات والمونتاج .

تركز الكاميرا الفاحصة ، على سرب من الحمامات الزرق فوق سماء المسجد التي تمتلىء برفيف ألأجنحة ، وتنتقل عبر تخيل الأب إلى الزنزانة لتلتقط عبر لقطات داخلية صنوف تعذيبهم ومحاولة إبنه المستميتة للخروج من ضغوط قيودهم وأياديهم القذرة . يعني ما إن يرى الأب الطيور المحلقة فوق منارة المسجد حتى ينتقل من هذا العالم الخارجي إلى عالمه الداخلي المتخيل ، إلى صورة ابنه بين الجدران الصماء (رفع رأسه ،في ذلك الحين حلق سرب من الحمام وحط على المئذنة ،واتجه سرب آخرنحو المنارة .ابتعد العم كريم من الساحة ولاذ بعالمه الداخلي (يربطون رجله ويده بحبال خشنة ،يريد أن يقاوم،ولكن دون أي جدوى ،كلما سعى ليفلت،يخترق الحبل الخشن ساعده أكثر ربما وصل الآن عظمه.)(9).

هذه إنتقالة فنية سينمية ، أو لنقل مونتاج مفاهيمي يتضمن صورتين أو مشهدين متعاكسين ، مشهد خارجي لطيور طليقة ومشهد داخلي مناقض للأول تماماً، يمنح القارئ المُشاهِد صورة تقييد لحركة الأبن ، وكأن الفاعل الرئيس يتخيل ويتمنى من قرارة نفسه أن يغدو إبنه طائراً محلقاً يشق عنان السماء . فالكاميرا تصبح في وقت واحد عيناً على الداخل والخارج.

ويتكرر عمل الكاميرا على هذا المنوال حتى تسجل أكثر من أربع تنقلات قبل الوصول الى الخاتمة ، بين مشاهد خارجية ، ما ان يلاحظها الأب حتى يَتذكر ويتخيل الأبن فيأخذ عيوننا إلى مشاهد داخلية مظلمة .

ويتخلل المشاهد قطع واستذكارات وأحلام يقظة مصورة ، استذكارات متخيلة للأب لاتجري في الماضي وإنما في الحاضر ، وقتما تذكره المشاهد الخارجية بأبنه المضطهد في المشاهد الداخلية المظلمة للسجون .

مثلاً ، عندما يبصر سرب اليمامات، والشاب الصاعد إلى الباص، والرجل الذي كان يرتدي الخاكي في مشاهد أخرى، تنقلنا الكاميرا رأساً عبر تخيلاته إلى حالات مماثلة أو عسكية لأبنه المقيد . حالات معكوسة متنقلة بين الداخل و الخارج .

من أهم المكاسب والفرص الذهبية التي خلقتها السينما وخصوصاً عبر تقنية المونتاج ، هي التنقل الحر بين الأمكنة والأزمنة في آن واحد فمنحت القصة والرواية حرية أكثر للحركة ورصد المشاهد بسهولة .

يبدو لنا أن محمد فريق حسن قد أفاد في آن واحد من نوعين مختلفين من المونتاج ، المونتاج السردي والمونتاج المفاهيمي (يهتم المونتاج السردي اكثر بتطور القصة ، بينما يسعى المونتاج المفاهيمي إلى إنتاج أفكار وخلق تأثيراتها عبر تقابل اللقطات أو تصادمها .)(10).

فالمونتاج السردي يهمه الحفاظ على تحقيق ترتيب التسلسل بغية تطوير القصة ، في حين ان المونتاج المفاهيمي يُعنى ، من خلال جمع وربط اللقطات والمشاهد ، بترتيب يتوخى منه إيجاد وإنتاج معنى معين . لقد جمع القاص لقطات لحركة الطيور ، دورانها ، وتفرقها ، ثم عودتها إلى منارة المسجد عبر مونتاج مفاهيمي ليبرز لنا معنى أراد أن يحققه هذا النوع من المونتاج . وتتضمن نهاية هذه القصة لقطات دالة تُكَّون مشهداً للعم كريم البائس الذي ينوي العودة إلى البيت أوان الغروب ، مشهداً نرى فيه صبياً يوقفه العم كريم ليشتري منه زرزوراً رآه موشكاً على الاختناق في كف الصبي البائع . إنها لقطات دالة على المذلة والحالة المترابطة بين طائر مسكين وإبن قابع في السجن .إنه وصف استعاري ومونتاج موازي تجمع حالتين في إطار واحد .

ومثلما لجأ القاص في البدايات إلى ترتيب حدثين موازيين في الزمن ومعاكسين في المكان ( الطيور المحلقة فوق المئذنة والأبن القابع في غياهب السجن )

عمد في النهاية إلى ترتيب حالة مشابهة وذلك بشراء الزرزور من يد الصبي البائع بهدف تحريره واطلاقه ومنحه حريته التامة في السماء.

لقطات تزيد من جمال ودلالات المشاهد الأخرى ، انها تمتين للأواصر الفنية والدلالية.

قصة (الميدالية الذهبية ) قامت على بناء صوري تتقاسمه صور فوتوغرافية صامتة وأخرى سينمائية متحركة ، بمعنى أوضح ان استهلال القصة يتشكل بتدقيق الشاب النظر في صورة فوتوغرافية معلقة لجده على جدار الغرفة ، ففيها نتعرف عليه عبر قيام الشاب بعِّد أوصاف جسمه ووقفته وركوبه الحصان ( في تلك الأثناء كنت أتثآءب . ودون وعي مني كنت ألامس رقبتي بيدي . بعين ناعسة رفعت نظري إلى الصورة السوداء المؤطرة على الجدار . الجد بأنفه المعقوف ، وحاجبه الكث ، يبدو منفعلاً نوعاً ما ، رجله على ركاب الحصان والمقود في يده . بندقيته في غلاف مصنوع من اللباد وهو يتدلى على سرج حصانه . من البندقية يتراءى للرائي أخمص البندقية فقط .)

فالاستهلال يعطينا صوراً ثابتة خالية من الحراك لانها نتاج فن الصورة الفوتوغرافية . فالأنف المعقوف والحاجب الكث للجد وركاب الحصان لقطات فوتوغرافية فارغة تماماً من الحراك . يضطلع الاستهلال بتعريف الجد ليدفعه نحو إعطائنا صورة حفيده المخالفة له تماماً .

ويتعرف الحفيد الشاب على جده من خلال الكاميرا وجمع لقطات عين الصقر (عبر خبب الحصان ،وفي شكل لقطة عين الصقر ، رأيت من بعيد ، كائناً أسود متحركاً .

تباطأت وتوقفت ، جعلت من يدي مظلة لعيني ، علني أبصر بوضوح عبر لقطة قريبة جداً ذلك الكائن المتحرك الذي ظهر في الأخير إنساناً . فاندفعت أهرع إليه .

خطوة تلو خطوة أقَّربُ الرجل الوحيد . لابد انه يتعقب أمراً هاماً .

ثمة حصان تحت شجرة يميل ذيله حول كفليه ، يطرد الذئاب عن نفسه ، بين آونة وآخرى يضرب بقائمتيه الأرض بشدة . في لقطة خاصة جداً ، وكأنني أنظر ملء ثقب الباب فأرى بندقية طويلة ، تتدلى على غصن الشجرة . الفارس يرتدي (رانكوجوعة ) أسود ، لحيته خفيفة ، له ملامح خشنة نوعاً ما .

يتدلى على حزامه الجلدي الأسود سكين . تحته شد باحكام خنجر ذو مقبض أسود مطعم بالفضة .

فجأة ازرقت أمام عيني الأحجار والأشجار والأرض ، اكتسبت لوناً أزرق فاتحاً . تقدمت إليه قائلاً :السلام عليك ياسيدي ، أنا أدعى كاردو ، لابد انك كويخا رسول ، طبقاً لأوصافك التي أخذتها من البيت ... تأمل الفارس في قامتي ، وقاس تراكسودي . ثم داعب رأسي ، لِمَ جعلت رأسك هكذا أضحوكة أيها الشاب ؟

قلت : إنها موضة اليوم . قال الفارس : في الأقل كان يفترض بك أن تعتمر (عرقجينا ) لايعجبني الرأس الحاسر !)

باستثناء الأوصاف والصور الفوتوغرافية للجد ، فان معظم الصور الأخرى مستقاة من أثر عالم السينما ، وقد استخدم محمد فريق في المشهد المقدم أعلاه والمشاهد الأخرى أيضاً تقنيات سينمائية متعددة مثل المونتاج واللقطة البعيدة ، واللقطة الخاصة لتصوير تمايز الجيل الجديد الذي يمثله الحفيد الشاب عن جيل الأسلاف في المعيشة والمأكل والملبس والنظرة إلى الرجولة،وبالتالي الرؤية المختلفة ، للنظر إلى الهوية الفردية والجماعية والقومية .

وعلى تلك الثنائية الدالة على تمايز زمنين وهويتين تتوالى وتتصاعد المشاهد .

إن العنوان (الميدالية الذهبية ) ذو دلالات ثرة على مفهوم البطولة والهوية الفردية ، فاذا كان الجد يتفاخر ويتباهى بقيمه الجمعية وانغلاقه على نفسه في النظر إلى مراجع الحياة الأجتماعية ، ولايقبل ان يشذ أي شيء عن السياق والوتيرة الجماعية الأجتماعية ، فان الجيل الجديد الذي مثله الحفيد الشاب يتحلى بقيمه الفردية الجديدة ورؤيته الخاصة إلى مفهوم الهوية . إن كلمة الميدالية الذهبية نابعة من هذه الأجواء الفردية ، فهي على الأغلب تمنح إلى الأفراد لتفرده وتميزه . وفي القصة يتفاخر الشاب بالميدالية التي تتدلى على صدره ، في حين ينظر إليه الجد نظرة إحتقار . أظن انها تفجر قمة الصراع في نظرتين مختلفتين لدى جيلين الى الفرد ، الذي كان يقمع في زمن الجد الغائب ضمن إطار جماعي صلب ، ونمط آخرى يتنامى في زمن الشاب الجديد.

(بعد ان ساد الصمت قليلاً ، قال هات ما هذا الشيء المربوط في عنقك ؟ قلت ، إنها ميدالية ذهبية .

قال الفارس ، ماشاء الله ، ولكن لا يمكنني الإقتناع أن تكون أنت مقاتلاً ، ينقصك الكثير .

قلت إنني منحت الميدالية بسبب السباق ، كنت عداءاً ..قال الفارس ، الركض والميدالية الذهبية !ٍ

هذا شيء مقرف ومعيب لاتحدثني عنه ، لو قلت منحوني أياها بسبب الهجوم الليلي المباغت ، أو أسرت عدداً في الحرب ، أو بسبب الصمود...) .

العنوان كأحد العتبات في النص السردي يحدد مباشرة نوع اللقطة التي اختارها القاص في قصته(النظر من القمة) ويحدد الرؤية لتوضيح وجهة النظر من الأعلى الى الأسفل أو بالعكس.

يتمحور النص حول استغراب رجل آمن ووديع يتلهف الى التسامي، فيرتقي الجبل، لكن مخلوقات غريبة وعجيبة تلاحقه وتنظر اليه شزرا . يواصل الصعود والمخلوقات لاتنفك عنه ترشقه بالأحجار والشتائم. بعد جهد جهيد يصل قمة الجبل ويكاد يلثم النجوم لشدة قربه منها . ومن هناك يرنو الى تلك المخلوقات الكريهة فيبدو حجم كل واحدة منها ،مثل حجم الفأرة أو أقل منها.

يحدد الكاتب مستويين للنظر ،أي النظر من الأعلى إلى الأسفل ومن الأسفل الى الأعلى ، لكنه تبعا لسلطة العنوان( النظر من الأعلى) يعنى بالأعلى أكثر من الأسفل وينحاز إليه على نحو خاص، لأنه يبغي إعلاء شأن الرجل الصاعد وتصغير شأن المخلوقات الشريرة المحتشدة وراءه .

ينتقي القاص لقطة (الزاوية العليا) وهي ملائمة لهذا المشهد القصصي ،لأنه يريد تقزيم المخلوقات الشريرة الاهثة وراء الرجل ، ويجعلها عبر هذه اللقطة أقل من حجمها الطبيعي (حجم فأرة ) كي يريها ضعيفة و واهنة ومنهارة.

في السينما ، أثناء اختيار هذا النوع من اللقطة ( تكون العدسة موجهة الى الأسفل، ويتم التصوير فيها من أعلى إلى أسفل. إذا ما صورت شخصا فهي تميل إلى التقليل من قوته وأهميته ، ويمكنها أن تجعل الشخص يبدو ضعيفا و قابلا للسقوط و الهزيمة)(11).

إن الغرض من مسخ تلك المخلوقات اللاهثة في الأسفل وتحويلها إلى صور فأرة صغيرة الحجم ، هو تحقير المذنبين الساقطين الذين يلاحقون من يصبو إلى الإرتقاء والتسامي .

ويبدو أن أحسن لقطة ملائمة لتصوير تلك الحالة ،هو اختيار لقطة الزاوية العليا، أو زاوية عين الطائر التي ينطوي توظيفها على دلالات توحي بالتقزيم و التصغير (وهنا يُقصَد تقزيم المخلوقات في مستوى نظر الرجل طبعا ).

وتُختار في هذه القصة الزاوية المنخفضة أيضا ، لتتجه عدسة الكاميرا إلى الـأعلى أيضا لتصوير الرجل الذي بلغ القمة ،بهدف تعظيمه ومنحه سمات البطولة والنشوة والوقار .

إن الحديث عن تجربة تداخل القصة والتقننيات والأجواء السينمائية في قصص محمد فريق حسن يطول ويتشعب ، كما ان إجراء مسح عام لجهوده في هذا المجال يحتاج إلى عشرات البحوث و الدراسات ،لذا نكتفي بهذا القدر آملين أن يلقي النقاد الضوءالأكثر على هذه التجربة .

إحالات:

1- مارف برزنجي:أعماله الكاملة،جمعها ونظمها عمر معروف برزنجي وسامان مارف برزنجي ،حققها وكتب عنها عمر معروف برزنجي ، مطبعة روشنبيري ،أربيل ،1993 ،ص412 .

2- د.شجاع مسلم العاني:قراءات في الأدب العربي،منشورات إتحاد كتاب العرب،دمشق،1999.ص97 .

3- انظر:معجم المصطلحات السينمائية:ترجمة وإعداد خيرية البشلاوي،مراجعة هاشم النحاس،الهيئة المصرية العامة للكتاب،مصر،2005،ص177.

4- محمد فريق حسن:عقد من المنمنمات المائية،مطبعة علاء،بغداد،1979 :ص30-36 .

5- المصدر نفسه:ص29-30 .

6- المصدر نفسه:ص30 .

7- انظر:معجم المصطلحات السينمائية:ترجمة وإعداد خيرية البشلاوي ،ص44.

8- انظر:د محمد عجور، الأسلوب السينمائي في البناء الشعري المعاصر،الهيئة العامة لقصور الثقافة،سلسلة كتابات نقدية ،القاهرة،2011،ص63 .

9- الشروق:المجموعات القصصية الكاملة لمحمد فريق حسن،سلسلة كتاب سردم،السليمانية،كردستان العراق،2013،ص520 .نشرت هذه القصةعام 1982 م في مجلة الكاتب الكردي ونشرت مترجمة الى اللغة العربية في مجلة الأقلام البغدادية في 1982 . الآن نتسآءل كيف استطاعت هيئة تحرير مجلة الأقلام أن توافق على نشر هذه القصة الكردية؟ حقا انها جرأة تسجل للصحافة الأدبية .

10- انظر:معجم المصطلحات السينمائية،ص3-037

11- جون مارنرتيرنس: الإخراج السينمائي ، ترجمة أحمد الحضري ، القاهرة ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1983 م ، ص166.


ئەم بابەتە 51 جار خوێندراوەتەوە