أشكال منزوعة الإطار في أعمال سيروان باران

سامي داوود

نعايش الآن أكثر المراحل إنحرافا في تاريخنا الحسي. هستيرية حواسية هدامة لقدرة تحسس الأشياء و التوسط فيها علائقيا. شرخت الإنسان المعاصر و طوقته بمكونات متنافرة. جهل حواسي كأنما الإنسان يستطيل افتراضا في وجود ٍ مفترض. ولأننا نمر بأسوء مراحل الحرية الجمالية، وبالتالي في أكثر حالات التشيؤ قسوة، يكون الفن ضمن هكذا حالة ضرورة وجودية. كونه ـ الفن ـ من طبيعة الآدمي المتلاشية رويدا رويدا على وقع الخطى الحادة للإنسان المستهلك المبهرج إلكترونيا. الفن ضرورة لازدهار الإنساني جدا. هذا الـ "جدا" ذوالايحاء النتشوي، بات على عتبة الانقراض. غير أنه، لكي يكون الفن خلاصا، وبالتالي ضرورة، عليه أن يكون مرتبطا بأشياء متباينة ومتعددة في آن واحد. بحيث تكون الصورة نقطة جوهرية لتقاطع متضادات؛ مونادة صورة لخلائط لا يمكننا أن نتلمس تشابهاتها إلا داخل عمل فني، يجعل الظاهر مكتسيا بما يفتقر إليه ليكون ظاهرا بالفعل. يكسيه بما هوأبعد على غرار الرغبة التي جعلها " فان كوخ" شغفه؛ رغبة تجسيد الأبعد، التجاوز. والتي تعددت صياغاتها لدى منظرين كثر، فجاءت في تعبير اللحم الذي استخدمه " مورلبونتي " ليجعل المرئي عاريا في غياب قدرته على التداخل بصريا مع اللامرئي. وجاء في مصطلح مسطح المحايثة لدى " دولوز " الذي حدد وظيفة الرسم في رسم القوى المتعارضة. قوى تتفاعل لتنفتح على الكوني والأزلي في الجسد اليقظ.

مستعيدين بذلك ألأساس البليغ لفلسفة الفن الذي وضعه " بول كلي " وحسم به وضعية الفن الحديث. "ليس على الرسم أن يصور المرئي، بل وإنما أن يرسم اللامرئي". هذه هي الفلسفة التي جعلت الفن عصيا على الكثير من الرسامين، وجعلته مسؤولية فكرية لا يدرك حجمها إلا من يفهم أن الفن زئبق لانحراف الإنسان عن آدميته، وبوصلة لتصويب مسارنا النشوئي. أما الذين يرسمون في عجالة تليق بالدعاية المروجة لنرجسية مريضة، فأنهم لا يشغلننا، بالرغم من كونهم يشكلون الظاهرة الأكثر فتكا بالجماليات داخل العملية الإدراكية المرعبة لهذا العصر المميت. وفقا لللازمة الآنفة، ندرج تجربة الفنان سيروان باران، الذي أتقن مهنته كخبير في المستحاثات البصرية التي تجعل الجسد شريكا في الوجود مع القوى الحيوانية والنباتية التي تختلط في الشكل الدال لأعماله. وهذا ما سنبدأ به.

تقدم أعمال سيروان في معظمها فراغا مشغولا بكثافة بصرية ثرية و أشكالا متراكبة و متعددة على مستوى موقعها الخارج من اللوحة و المنبثق فيها. لذلك يضاف إلى مجال التفاعل العلائقي بين الأشكال و الفراغ في أعماله مجال دلالي مضاعف تمثله استقلالية الفراغ و الشكل في أن يستقلا بكثافتهما دلاليا. لذلك يمكننا في بعض أعماله أن نزيح كتلة الشكل عن اللوحة لنكون أمام لوحة مونوكروم بتركيبة الفراغ، حيث يتم معالجة سطح الفراغ ليكون بحد ذاته شكلا، فنلمس البعد الخاص باللون كالثقل اللوني والسُمْك وضربات الفرشاة واتجاهها وحواف اللوحة التي تظهر سطوح لونية مختلفة ومعدلة للون السطح ذاته. لتشكل كلها القيم البصرية الخاصة بالفراغ. في العمل المرفق هنا. لا يمكن دراسة الفراغ عبر توزع الطاقة هندسيا، بل تحول الفراغ إلى مجال لتعضيد كتلة الشكل وتكثيف رمزيته. و ذلك لأن محيط الوجه يتدخل في تكثيف وجهة نظر الوجه وتركيبه وضوءه الخاص، إذ ليست هناك ملامح محدد للوجه في اللوحة، بل هناك تعددية تعمل اللوحة عبر تركيب سطح الوجه وخط الجمجمة على إظهار مجموعة وجوه في مسطح الرأس. لكن سيروان لا يكتفي بإظهار هذه التقاطعات في رأس الشخصيات التي يرسمها، بل يعمق ذلك في تجويف الشكل نحوالداخل بتقعير الجسد فراغيا. يبهت الضوء متدرجا نحو الداخل من حواف الأشكال، فتظهرعدة أجساد وعدة أنواع وكائنات مختلفة الجنس في ذات الكتلة الشكلية.

في اللوحة رقم ( 1 ) نجد خطوط غير ملونة منجزة بعقب الفرشاة على سطح الفراغ الأخضر لترسم قدمين يبدآن من أسفل اللوحة إلى منتصفها حيث تتوقف عند جذع الحيوان والأجساد البشرية المتدافعة داخل الشكل، مشكلا حضورا شبحيا محايثا للمرئي ومعدلا لصورته. فالإرتجاج الذي يوزع خط الوجه على عدة محاور، يفتح شكل الرأس على التعددية الشكلية، لتتعمق نحوالداخل وتتدافع فراغيا نحوالأمام عبر خطوط الوجه وخطوط الكتف، لذلك تختلط الأجساد في كتلة الشكل، لتتقاطع في تشوهات وتعينات غريبة عن بعضها في بيئتها الحقيقية، لكنها تسوغ التداخل البصري بين الحيواني والإنساني في الشكل الذي تتشارك في هيئتها الشكل الهجين للحواني في البشري، والبشري في الحيواني. تنعكس هذه المعالجة للأشكال وخطوطها على معالجة الفراغ وقيمه الضوئية. فاللون الأخضر الجلي يتقهقهر أمام الأخضر المشرق في منتصف اللوحة حيث تتقاطع وتتدافع الأجساد داخل كتلة الشكل، واللون البنفسجي الحاد الذي يقذف بجبهة أحد الرؤوس المرتجة نحوالأمام لتزيد بروزه الفراغي، إلى جانب التماثل في الدرجة اللونية للفراغ الداخلي الرصاصي الذي تظهر عليه الأجساد وتماثله مع الدرجة اللونية للرصاصي الذي يظهر في حواف اللوحة من تحت اللون الأخضر الجلي، حيث يمكننا من خلال حساب هذه الكميات كيفية تشكل الفراغ في هذه اللوحة، وبالتالي حساب التوازن العام للشكل الدال في اللوحة. فالترتيب الذي يقوم الرصاصي الكامد بتنظيمه لبقية العناصر تجعل اللوحة منفتحة على الرؤية وعلى التشكل الدائم التحول في آن، حيث يتداخل هنا البعدين الهندسي والعضوي في تكوين الفراغ. لذلك تتلون الأجساد بألوان تقاطعاتها وتتداخل التباينات وفقا للمجال الذي يسمح به الفراغ الداخلي للوحة بالظهور، كالقدم المرفوعة نحوالأعلى من منتصف اللوحة بشكل مستقل عن اليد التي تمسكها، كونهما أعضاء لأجساد لا يظهر منها إلا جزءها المرئي، وعدم تناسقها الكمي مع بقية الأجساد، ينتزع منها محدوديتها التعبيرية، ويحررها من الأطر الجنسية أوالجنسانية، فشكل الأعضاء في لوحات سيروان متحرر من أطرها الطبيعية. لذلك هي أشكال منفتحة على القوى التي تتقاسمها.

إنها أشكال قادرة على إثارة التشابه فيما بين الحافر والقدم، بين فك الكلب وحنك الآدمي. هذا التشابه هوالذي يجعل اللامرئي قائما في المرئي، ومن رؤية الشكل في أعمال سيروان، مكسوة بما يتجاوزها، ومن ظاهرها ترميزا لداخلها وما تحيل إليه من أشكال ممكنة وعوالم متعددة في الإحتياط. لكن الأمر الذي يظهر وكأنه خارج اللوحة، هواللون الأبيض البارز بدرجته المشرقة وسمكه الذي يمنع الألوان الأخرى أن تعدل في وضعيته ودلالته، فحوافه غير ملطفة لتمويه التنافر بين الأخضر الجلي والأبيض وبين هذا الأخير وبين الرصاصي الكامد الذي يتمم بقية اليد، حيث جاء هذا اللون ككتلة لونية لتحديد زند الجسد. ولأن كل شيء محسوب في اللوحة وفقا لتعاليم الدقة التي وضعها " ماتييس " فإن اللوحة / رقصة التانغو/ تظهر تماسكها على نحوأكثر إتقانا، حيث ارتكز التعبير الجسدي بكتلته وخطوط حجمه على الرشاقة المتمحور بدوره على مفهوم الأيقاع الذي يطبع في جسد المتلقي ميلا للحركة، لذلك جاء سطح الوجهين متعددا في معالجته اللونية، بحيث تحرك عين المتلقي من الأعلى للأسفل ومن الجانب إلى الجانب الآخر وفقا لدرجة الألوان المتعددة ولحركة الفرشاة وضرباتها السريعة التي تمكن الوجه على التحرر من القسمات.

فالوجه في الرسم ليس تثبيتا على نحوالتصوير الضوئي لفكرة محددة عن الوجه، بل وإنما هو تمكين البورتريه على تقديم عدة وجوه ضمن ذات القسمات، وبالتالي تقديم عدة أزمنة عبر تنافر التركيب الذي اعتمده سيروان لتنويع وتعميق أثر الرقص في وجه الراقص، حيث تقدم البنفسجي الحاد عند جبين الرأس ودبت الحركة في الكتلة السوداء المتطايرة أطرافها ضمن هيئة الشعر، وانبسط خط الفم برشاقة نحوالأعلى مع الألوان والضربات القصيرة للون الرصاصي الأزرق، ووضع اللون الأخضر الفاتح على الصدغ، لتتحرك العين على سطوح الوجه المتعددة وتتفاعل مع الوجه واللون المحيط بكل جزء منه. أما خطوط الجسم الملتفة على بعضها، فأنها تزيد من الحيوية في ايقاع الجسم، كونها خطوط منحنية وليست دائرية، والخط المنحني ليس له إتجاه محدد، لذلك هوخط منفتح على التحول وبالتالي على الحركة.

تمنح خطوط الجسم المنحنية طاقة كبيرة لتجاوز كتلة الجسم لظله الذي يظهر منحنيا نحواليسار باتجاه الداخل، وكذلك متناسقا مع وضعية اليدين القوية، التي تترك رشات لونية سوداء على المساحة الرصاصية لجسد الراقص. إن رؤية الرقص والإحساس بالرشاقة المتناغمة في هذا العمل، قائمة على القيم البصرية التي تحدث التحول على سطح التركيب وعبر الخطوط المنحنية والملتفة التي تطبع في حواس المتلقي ميله للحركة.أما الفراغ في هذه اللوحة، فإنه يؤكد على إظهار الشكل على منصة الرؤية وتعضيده بالدرجة اللونية المشرقة للأخضر الذي يشارك حركة الأجساد الراقصة في تثبيت دلالة الإبتعاث والحيوية.

تمتاز اللوحة(2) 190 × 190سم. بتركيب خاص وفريد لعلاقة الجسد بمجاله الذي يقيم فيه ويظهر من خلاله، وكذلك بعلاقة الأجساد فيما بينها، حيث لا توجد أبعاد ثابتة أوحقيقية للشكل فيها، فالقيم التشريحية للجسد ليست مجرد مشوهة، بل وإنما هي متداخلة ومتضامنة دائريا ومكملة لبعضها ومرمزة لأجزاء أخرى لا تنتمي إليها، فتنفتح على الشكل اللانهائي المتشكل باستمرار أمام عيني ذات المتلقي، وليس التشكل التقليدي لتباين الرؤية المتعلق بتعدد المتلقيين. فكتلة الشكل الكبيرة المرسومة على يمين اللوحة، تتكون من أربعة أجساد ظاهرة بالفعل ومن شكلين حاضريين بالقوة، يتقاطع فيها الحيواني بالآدمي والأنثوي بالذكري، لتأسيس هيئات منفلتة من التحدد، ومتعينة في التقاطع العفوي لخطوطها والألوان التي تتوزع فيما بينها، حيث ينفتح الجسد نحوالداخل لتتقشر طبقات شكلية لامتناهية. يضاف إلى ذلك الكتل الأخرى المحيطة كالحيوان ذواللون الأزرق الفاتح الذي يبدا ككتلة لونية من منتصف أسفل اللوحة ويكتمل شكله فيما وراء الأشكال الأخرى على اليمين، والذيل الذي يأتي من خلف هذه الأشكال الآدمية فإنه متعلق بخطوط تعدل في آدمية هذه الأجساد لتنزع منها تحديدها البشري، والخطوط المتعددة في منتصف الشكل على المساحة البنفسجية وتقاطعها مع خطين نصف دائريين، يدمغ صدر الأنثى في الهيكل الحيواني والرجولي، كلها تتضافر فيما بينها لتجعل الشكل متشكل من أجساد والجسد من أجناس هجينة ومخنثة بالمعنى العضوي فقط.

لذلك يصبح جنس الكائن وطبيعته أمور متروكة للممكن المتعلق بطبيعة المتلقي وبتاريخ كل رؤية لهذا العمل.والتقاطع العضوي لخطوط الجسد، تجعل حركة اتجاهها بحد ذاته نسبيا. فالأبيض الموضوع كهالة في أعلى اللوحة، متعلق فقط بوضعية أحد الرؤوس المتعددة ضمن طبقات تشكل الشكل وتجليه في الرؤية، وهذا ما يمنحها الإمكانية لأن تكون هالة لشكل غير مرئي قادم ضمن التشكل المستمر لتضافر عناصر اللوحة كلها في نزع التأطير عن أشكالها. لذلك نعتبر أن هذا العمل من أكثر الأعمال تفاعلا للقوى المستيقظة فيه وأكثرها ديمومة. فالشكل الأحمر الجلي الموجود وسط اللوحة، متعدد الظهور، حيث يتقدم صدره بكتلتين متكورتين ذات لون أحمر مشرق، مع تقدم جزء من قدمه على بقية أجزاء العمل ككل، كأنها ستخرج عن العمل، بينما يتخلف الجذع نحوالداخل بدرجته الداكنة ويتعمق الرأس في الفراغ حتى يتلاشى جزء منه. أما الفراغ فهوأيضا مشغول بطريقة متنوعة تمنح بعدا خاصا للون المحيط بكل شكل، مع إظهار طبقات مستقلة عن هذه الأشكال في أسفل اللوحة ، لتتخلص صلة المرئي من ما يحجب رؤيته في حقيقته التفاعلية مع اللامرئي. ضمن هذا العمل يشكل الظهور الباهت لشكل هرمسي في أسفل يسار اللوحة، تحت السطح البني الذي فرشت عليه ألوان بنية بدرجات متقاربة، منبها فجائيا للحواس، تجبر متلقي هذا العمل على البحث عن نسق للرؤية في كل مرة يقف فيها أمام هذا العمل، حتى لوتمت رؤيته مرتين في اليوم ذاته.

فالهشاشة المتعلقة ببعض العناصر البصرية هي بحد ذاتها قوتها التفاعلية مع ممكناتها. لذلك يتوجب التريث في رؤية هكذا لوحة. يقدم الفنان سيروان أعماله هذه ضمن خط واضح لتفريد الفراغ الخاص بلوحاته، فتجده يبتعد عن مشهدة الفراغ على طريقة فرانسيس بيكون، بل يعتمد تكسير السطح بضربات فرشاة قصيرة وتلوينه ضمن درجة لونية متماثلة مع إظهار تخطيطات أخرى على نحوشبحي في العمق، دون أن يؤدي به ذلك إلى التفريط في التوازن التجريدي لبنية الفراغ. كما أنه يعالج الأجساد بخطوط منحنية متحركة، متحولة باستمرار لتوجه الجسم ولموقعه في المجال الخاص به، لذلك ينفتح الجسد ويختلط بغيره من الكائنات ضمن تجويف الكتلة الجسدية ذاتها. وضمن هذه الخصائص تتعمق الرؤية في أعماله بناءا على تثنية الجسد بالآخرين.


ئەم بابەتە 6 جار خوێندراوەتەوە
بابەتی لەیەکچوو