wasiq_ghazii.jpg

التحليل المعرفي للواقعة / قراءة معرفية للتعصب الدّيني

واثق غازي

1 - تأثير الواقعة :

في البدء لا بد من تحديد مسار معين يبتعد كثيراً أو قليلاً عن السائد والمألوف في تناول هكذا موضوع معقد وشائك ، ألا وهو التعصب الدّيني ، هذا المسار يجب أن يكون خارج الأطر التقليدية والمتداولة ، لكون هذه الأطر ( المتداولة اليوم ) هي نفسها قد أصابها البلى وقد دخل في مكوّن فهمها الجمعي كثيرا من الخلل ، حتى أصبحت ذات مقبولية رائجة وهي مبنية على أفكار خاطئة . المسار المقارب أو المقترح هو :( التحليل المعرفي للواقعة وقياس شدّة تأثيرها اللاحق) . قد نجد كثيراً من الأمثلة التي تصلح للاستدلال بها على منشأ هذا التعصب ، إلا أن المثال الأكثر صدقية هو النّص القرآني الذّي نعتد به عن الزلل . وقد أورد هذا النّص كثيراً من الآيات التي تسرد وقائع يكون فيها أحد الأطراف قد تعصب لأمر ما فأدى تعصبه إلى ما يشبه الكارثة ، ومن تلك الوقائع قصة أبني آدم قابيل وهابيل المعروفة عبر التأريخ بالخطيئة الأولى : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (27) المائدة

من هذه الواقعة تبدأ معضلة التعصب الدّيني ، أذ نشهد وبحسب منطوق النّص أن أحد أبني آدم قال: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) وهذا تفضيل ذاتي مبنيٌّ على حكم شخصي يعتمد الرأي الواحد ، مما دفع بالابن الآخر أن يرد بنفس مستوى التحدي الذي واجهه ، فما كان منه إلا أن دبّر لأخيه مقتلة جرّت الويلات على البشرية جمعاء .

2 – حكم العائلة :

في حدود العلاقة الاجتماعية نشأت علاقات إنتاجية وقد افرزت الأخيرة حاكم ومحكوم ، وبالتالي فرض مشيئة الحاكم على المحكوم . منذ أن بدأ الأنسان الأول مسعاه الى توسيع حدود تواجده على الأرض بدأ الصراع على فرض المفهم ، الذي انتج مشكلات جذرية في تقبل الآخر والتعايش معه على أساس أن الأرض تسع الجميع ، كان هذا في مرحلة تطور منتج الحقل ، وقد تعاظم ضرر التفرد بالرأي عندما دخل الإنسان مجال تطويع الآلة لفرض السيطرة والنفوذ ، الأمر الذي جرّ مالك الآلة إلى ارتكاب أفظع الجرائم بحق الانسانية ، مثالها التطرف النووي الذي مارسته القوى المتحكمة بالآلة في حربها التي سعت من خلالها إلى فرض الفهم الواحد من طرف واحد . يُدخِل هذا الضاغط المهيمن على المتلقي الخاضع لسطلة ونفوذ ( مالك الآلة ) فهماً يتناسب وحجم الضرر الذي تسببه ممارسات تلك الآلة في حياته اليومية وفي تأريخه الثقافي وفي بيئته الاجتماعية ، البيئة الاجتماعية التي تكون الخاسر الأكبر لتحكم الآلة وهكذا يبدأ جسم المتلقي بإنتاج فعل مضاد يكون في أغلب حالاته متعصباً لرأيه ومتطرفاً في سلوكه ، ويتبلور هذا التضاد إلى أن يصبح ردود أفعال خاطئة مبنية على فهم خاطئ .

3 – التوظيف الأيديولوجي :

يعتمد البناء الأيديولوجي بصفته ( جزء من البناء الفوقي ) على ديمومة التطاحن والاستنزاف إذ أن إفراغ أحد طرفي أية قضية ما ، من قدرته على توصيل أفكاره ، سيخلق بالنتيجة مدافعاً مشغول بالدفاع عن قضيته وعن نفسه ، هكذا يتحول هذا المستَهدَف إلى ( أداة ) طيعة بيد التوظيف الأيديولوجي من حيث محاولته تحويل انهزامه إلى انتصار يعتقده مستحق بوجه من حاول استلابه ، هكذا تنشأ لدى الأقليات الدينية والاجتماعية ما يسمى ( بالولاء ، والمعارضة ) حيث أن الأقلية يمكن لها أن تبقى ضمن إرادة الأكثرية بالولاء ، وإذا رفضت هذه الإرادة تتحول إلى المعارضة ، وقد تأخذ هذه المعارضة أشكالاً مدمرة في حال تعلق الأمر بالصراعات الفكرية والمادية .

4 – سلطة الدّين :

يذهب الفرد متحملا ً معتقد مجتمعه ومحيطه وعالمه الذي ويلد فيه ، ولا خيار لكثير من البشر التخلص من هذا الإطار حيث هو امتداد يصوره رجال الدّين على أنه من المسلمات التي يجب أن تمر دون مناقشة أو أعادة تقييم على الأقل . وتبُنى عبر مراحل تَكوّن هذا الكائن العديد من العُقد التي تأخذ على عاتقها الامساك بكل مقدراته وتحويلها إلى وقود قابل للاشتعال في كل الظروف ، وذلك عبر ممارسات شتى وبذرائع مختلفة ، مع تواصل هذا الضغط يتحول هذا الكائن إلى ( القناعة التامة ) بأن كل متبنياته التي ورثها عبر التلقين الدّيني هي خلاصة الفهم ، ويمكنها أن تكون البديل الدائم عن كل متبنيات الآخرين ، الأمر الذي يدفعه باتجاه الإيغال في توسعة حدود صلاحياته لتشمل متبنيات الآخرين ، أي بمعنى هدم الجدار الفاصل بين حقوق الفرد ووجوده ، وهكذا ينشأ التطرف في فرض الأفكار تحت ذرائع شتى ودائماً من خلال الحديث باسم الدّين .

5 – المشكل العراقي :

الحالة التي يشهدها المجتمع العراقي في هذه المرحلة المعقدة من تأريخه المعاصر ، من انقسام على شتى الصعد ، ما هي إلا تعبير مباشر عن الخلافات التي تحيط بكامل المتجمع الإسلامي والعربي . ومن المعروف مدى عمق الشق الذي أحدثته انقسامات المسلمين الأوائل في حياة النّبي ( محمد )ص وبعد وفاته ، وهي في حقيقة تحمل جزء من الموروث القبلي للعرب قبل الإسلام ، ورث المجتمع العراقي كل تلك التركة من الخلافات الإسلامية العربية ، فهو من حيث جغرافيته وطبيعة شعبه وعمقه التأريخي كان ولما يزل مطمع كثير من الأفكار الاستحواذية ، الأمر الذي رسخ عبر تعاقب المحن التي مرّت عليه ، مبدأ الاحتكام إلى الفهم أحادي الجانب ، حيث تجد نسيج المجتمع متوحد عبر كل متطلبات البناء المجتمعي المتعاضد ، إلا أنه نادراً وعبر فترات محدودة من الزمن ، تجده ينجح في أحلال هذا التعاضد محل التعايش ، وقد لعب الساسة الذين حكموا العراق دوراً مهماً في هدم الأواصر الاجتماعية ما بين أبناء مكوناته ، حيث تفرض مقتضيات مصالح الحكومات المتعاقبة على العراق من أن تضعف جانباً من شعبه على حساب أثرة جانب آخر ، وهكذا ، وعندما جاءت ضربة الإرهاب التي اجتمعت فيها مصالح مشتركة لقوى معادية للعراق ، وقد أحدثت هذه الضربة الممثلة بالهجوم الوحشي لعناصر ( الأفكار المتطرفة التي تتزيا بلبوس السلام ، من مثل القاعدة و داعش ، ومن يواليهم من الأنظمة التي لها مصلحة في أن يظل العراق ضعيفاً ممزقاً ) على الأرض العراقية ، أحدثت نوعاً من الرجة التي يُختبر بها (البناء الجاهز ) فثبت أن مكونات المجتمع العراقي ، تحتاج إلى الكثير من قنوات التواصل التي تغربل محصلات الماضي ، لتنتقي ما هو صالح منها للاستمرار بالحياة .

6 – الأقليات

مما يأسف له أن الأقليات في العراق ، هي أقليات مكونات مكانية ، بمعنى أن هذه الأقليات مرتبطة بالمكان الذي تنتمي إليه ، أكثر من ارتباطها بأي مكان آخر من رقعة البلد ، الأمر الذي خلق ، أماكن تسمى بأسماء ساكنيها ، وهذه الأماكن تحولت عبر الزمن إلى جزء من الحقوق التي لا يحق لغير قاطنها المطالبة بها . وهكذا اضافة لخسارته الانضمام الى المجموعة التي تمثل (إرادة كلية) خسر كذلك فرد الأقلية حقوقه بباقي أراضي بلاده ، وأصبح يَنظرُ إليه ( مالك السلطة الرافض لوجوده ، على اعتباره فاقد للحق العام وهو أي فرد الأقلية لا يمكنه أن يكون موجوداً سوى على تلك الرقعة المحدودة من وطنه ، مما خلق هذه التمزقات التي يشهدها المجتمع العراقي اليوم .

7- المخلص :

في كثير من الدّيانات السماوية يوجد ثمة مخلص ، عليه أن يتولى مسؤولية تنظيف الفوضى التي أحدثها البشر خلال فترة تواجدهم على الأرض ، اي بعد انتهاء مدة صلاحية البشرية ، وتثبت التجارب القاسية التي مرّ بها المجتمع البشري أن هذا المخلص ، هو موجود على الدوام ، حاضر بين النّاس ، فعندما ينصهر الإنسان أمام المعضلات الاجتماعية مع أخيه الإنسان ، فأن هذا المخلص يظهر جلياً عبر ممارسات عفوية تستطيع توحيد الجهود للخروج من الأفق المسدود ، إلى الأمد الأرحب ، لكنه على الرغم من فاعليته الوهمية يظل هذا المخلص جزءاً من معضلة تنامي التعصب الديني .

شاعر وناقد


ئەم بابەتە 45 جار خوێندراوەتەوە