نظرة في الإسهام النقدي لياسين النصير

سامي داوود
Jul 8, 2017

القياس و التناقض من طبيعة التفكير. إنهما ما يشتغل الفكر من خلالهما  وما يكون غائبا دونهما. لكن تعليمنا السكولائي يجعلنا نفرط في قياس الأشياء التي نعتقد بأنها متشابهة، و في إظهار تناقض الأشياء التي نعتقد بأنها متناقضة. دون فهم دقيق لهاتين العمليتين المعقدتين. غير أنه ما أن نفهم طبيعة ما نعلمه، حتى نتريث طويلا قبل إصدار أي حكم أو تقديم أية رؤية. يأتي النقد كعلم في الرؤية، ليحرر المعنى من الثبوت و ليقارب أكثر بين المنتج و بين متلقيه. فيظهر التناقض في التشابه، و يبعدنا كثيرا عن القياس الكلي، بعد إظهار التفاصيل الدقيقة التي تفرِّد الأشياء و تربطها جزئيا بأجزاء أخرى من غيرها على نحو شبكي تظهر الترابط العلائقي و التفردات الجزئية في آن. فالنقد  يضاعف حساسيتنا اتجاه المُدرَك الذي نعايشه ذهنيا، و يعمق همس الشيء فينا، لئلا تفوتنا التفاصيل السرية التي تقودنا إلى المختلف، مرتبا الشيء في ذاته ليغدو شيئا آخر. في مؤلفه " الإستهلال " يقدم ياسين النصير تفاصيل الهيكل الذي يقوم عليه النص الأدبي. مستعرضا البنى المكانية كمداخل اساسية في فهم ما تحتويه، كالغرفة و البيت و الفناء و غيرها من التفاصيل الرمزية، التي تشكل بحد ذاتها دلالة تضافرية لدلالة النص. يعالج ياسين الاستهلالات برهافة حسية دقيقة. تعكس ما يشترط أن يكون عليه النقد من نباهة. فهو لم يوظف التعابير ضمن حاجات النصوص التي تناولها، بل و إنما عمل على  إظهار الكساء الذي يجعل الشخصيات و التعابير تظهر بتلك الكيفيات الحسية المتباينة. و ما نعتقد بأنه عادي في النص كطبيعة الغرفة التي تشبه اي غرفة أخرى. يتناولها ياسين ليظهر تباينها و هي تتشابه مع غيرها من الغرف في نصوص أخرى. قد يقال بأن غاستون باشلار أسهب في تحليل النافذة و الجدار و الباب و الغرفة، فما الحاجة لتكرار ذات الكلام. نقول: بأن باشلار قام بتشريح هذه المحددات على نحوٍ علمي تتفق و طريقته في تنظير العقلانية التطبيقة لديه " كل متانة إنما هي تمتين... باشلار ". أما ياسين فإنه يعمل في مجال آخر لترابط الأشياء ببعضها، إنه يفكر في المعقولية المتعلقة بالمكان، التي قد لا يساعدها المنطق على التعليل. شيء من الهابيتوس الخاص بكل حالة و ليس من المفهوم المجرد القابل للتحليل المعياري.

الآن. هنا. حيث يحتفل مهرجان كلاويز الخامس عشر بتجربة ياسين النصير النقدية. أقدم له وردة أنجيلوس التي لا يسوغها شيء آخر غير توردها المستمر.