Warning: Division by zero in /home/galawej/public_html/tmp/templates_c/cgbd234^eaff6abc0894fc43cc026e79a1ff7ef9439afb78.module_db_tpl.CGBlog;detailndesign.php on line 71

كرسي الشعر أعلى من كل الكراسي

Jul 12, 2017

مقدمة

في العام 1996 ، عملت  مع الزميلين على فيلي وكمانكر في مجلة ( ئاوينه) التي كانت تصدر في طهران باللغة الكردية، وكان الاول مديرا لتحرير المجلة فيما كان الثاني رئيسا لتحريرها.

في يوم الاحد المصادف 15/9/1996 اتصل ( كامبيز) وهو شاعر كوردي شاب من كوردستان ايران، اتصل بصديقه علي فيلي  وأخبره ان الشاعر شيركو بيكه س يقيم وحيدا،  في فندق بطهران ويتمنى ان تقوموا بزيارته، فذهبت مع مجموعة من الشباب منهم معروف آغائي ومصطفى بيكي وآخرين، للقاء الشاعر الذي كان قد غادر كوردستان  بسبب الاحداث المتواترة التي مر بها الاقليم في تلك الفترة.

 بيكه س كان يقيم في الغرفة 302 من فندق ( قناري) الذي كان يقع  في شارع هادئ من شوارع طهران.

تحدثنا معه في الكثير من الامور العامة وفيما آلت اليه الامور في كردستان وآخر التطورات هناك.

في اليوم التالي ( الاثنين) ذهبنا انا وعلي فيلي ومصطفى بيكي وريبوار ومعروف آغائي الذي كان قد اتفق مع بيكه س على موعد اللقاء الذي تحدد ان يكون  عند السادسة مساءً

 ولكننا التقيناه عند الخامسة...

وبعد حوار – مسجل – قصير ومتوتر ، اطفأ فيه  بيكه س ، جهاز التسجيل الصغير اكثر من مرة، جرى الاتفاق على ان نلتقي يوم الاربعاء القادم في مكتب مجلة (ئاوينة) لتكملة الحوار.

وقبل الساعة 12 من ظهيرة الاربعاء ( 18/ 9) ذهبنا انا وعلي فيلي الى  الفندق لأصطحاب

 بيكه س الى المجلة لتكملة الحوار الذي بدأناه اول امس.

في التاكسي، سألته ان كان يعرف احدا من اعضاء البرلمان من القائمة الخضراء ممن شاركوا في الاجتماع الاخير لبرلمان كوردستان.

فقال : حازم اليوسفي واثنان من رجال الدين ونزاد عزيز آغا.

وحينما سألته عن الدكتور عزالدين مصطفى رسول، قال انه لازال في الخارج.

وكان عزالدين مصفى رسول قد مرّ هو الاخرّ- قبل ايام - بطهران في طريقه الى اوكرانيا ، ونزل في ذات الفندق وقد التقناه انا والزميل علي فيلي واجرينا معه حوارا نشر في عدد من اعداد مجلة ئاوينة ، ايضا.

أما الشاعر شيركو بيكه س  فقد غادر طهران الى السويد يوم 19/ 9/ 1996 حيث كان يقيم.

اللقاء  مع بيكه س، نشر على الصفحات ( 24 – 32 ) في العددين ( 27 - 28) من مجلة (ئاوينة) و كان لقاءَ شاملا ومطولا احتل الادب حيزا كبيرا منه.

و كان لنا – انا و الزميل علي فيلي – العديد من الموضوعات  في ذات العدد من مجلة (ئاوينه)، نشرنا بعضها باسمينا الصريحين وبعضها الاخر جاء بتوقيع ( ئاوينه) حيث نشرت انا موضوعا باسم عبدالرحمن الباشا على الصفحتين 68 –  69 تحت عنوان ( نالي .. مخطوطة قديمة وعمر جديد) ونشرت موضوعا آخر على الصفحات ( 80 – 83 ) بعنوان (زوم و زوزان وخيام الاكراد الرحل) باسم مستعار هو (عكيد هركي).

ادناه الترجمة العربية الكاملة لذلك اللقاء الذي تم قبل اكثر من سبعة عشر عاما.

المترجم

 

 

 

 

بابا طاهر و بدايات الادب الكردي

 

+ برأيك، من اين يبدأ الادب الكردي، اين هو المنطلق؟

- هناك اشكالات كثيرة جدا في هذا الموضوع، فعلي سبيل المثال يعتقد البعض ان الادب الكردي يبدأ من بابا طاهرالهمداني، و لنقل ان بابا طاهر هو البداية ، ولكننا نجد فراغا في عدة قرون لاحقة، تمضب قرون لا نرى فيها اي شئ  ولكنني لا ارى غرابة في ذلك، إذ انه شبيه بحياة الكرد، فهم عادة ما ينبعثون  في مكان ما ليختفوا في مكان آخر، ثم يظهرون مجددا بعد عدة قرون.

والادب والثقافة الكردية مرتبطان دوما بوجود الشعب الكردي وبفضاء الحرية ، فاذا كان هناك متنفس ما او فسحة من الحرية الى جانب  حياة  مستقرة ، فان اللغة تنتعش معها ويولد معها الادباء والشعراء، ولكن هذا لا يعني  ان الظلام كان حالكا في العصور المظلمة، فقد يكون هناك انقطاع أو ( طمس) أو ربما تدمير و فناء، وربما – ايضا – هناك اشياء طواها الدهر  وغيبها الزمان، ولهذا فإننا لا نجد شيئا حتى نصل الى ( فقي طيران) و( ملاي جزيري) ومن ثم (أحمدي خاني) .. ونفاجأ بعد احمدي خاني بالفراغ من جديد.

+ هل هذا يعني اننا لا يمكننا تحديد بدايات الادب الكردي ؟

-  كلا لا نستطيع، لقد جرت بعض المحاولات، علاء الدين سجادي اضطلع بهذا الامر، ولكن هذا ليس من اختصاصي، ليس بمقدوري أن احدد البدايات.

+ إذن، لا يمكننا القول ان بدايات الادب الكردي تعود الى اربعة او ثلاثة قرون؟

-  هذا صعب للغاية اذ يجب التأكد من موضوع بابا طاهر ايضا، هل صحيح ما يقال؟ نحن متفقون على ذلك، ولكن الكلام وحده لا يكفي، علينا التأكد من ذلك علميا.

البداية التي نتفق عليها الان، هي ان الادب ( المكتوب) يبدأ من بابا طاهر الهمداني .

+ هذه هي الحلقة الاولى، متى تبدأ الحلقة الثانية؟

- الحلقة الثانية غير واضحة.. حتى نصل الى ( فقي طيران) ، في الحقيقة من الصعوبة ان يكون هناك شئ ما في الادب الكردي قد تدثر ثم انصهر ، ثم ظهرت اشياء اخرى، هذا الموضوع مرتبط  بالحياة و بالتأريخ ، تاريخنا ليس واضحا حتى الان ولهذا فإن ادبنا الكردي ليس واضحا هو الآخر.

+ ولكن أحمدي خاني يعد أباً للاحساس القومي في العالم وهو يسبق الثورة الفرنسية وجان جاك روسو في هذا المجال.

- في الحقيقة، حينما كتب احمدي خاني قصيدة ( مم وزين) كتبها من اجل الشعب الكردي ومن اجل اللغة الكردية، وقد اشار الى ذلك في ديباجة القصيدة وهو يقول انه فعل هذا كمبرر  للكتابة باللغة الكردية، كي أقول للعالم ان الشعب الكردي ليس اقل شأنا منكم وان اللغة الكردية ليست اقل من لغاتكم ، وهذا  أحساس رائع من خاني.

+لا شك ان هذه الحلقات المفقودة، موجودة ولكن لم يتم العثور عليها حتى الان؟

- نعم، من المحتمل العثور على هذه الحلقات  ولكن الامر يتطلب بحوثا كبيرة ومضنية، بحوث تاريخية وادبية جبارة، لا يمكن فصل البحوث الادبية عن البحوث التاريخية، قد تجد بعضا من   التفاصيل التاريخية في قصيدة ما ولكي نفهم العصر الذي عاش فيه خاني لا يكفي ان خاني قد كتب ( مم وزين)، فنحن نفهم الحالة الاجتماعية للشعب الكردي من خلال القصيدة، ونقف على العلاقات الاجتماعية والسياسية وعلى الفن المعماري والبناء ايضا، نقف على تفاصيل الحياة اليومية وعلى مناسبات الافراح والاعياد والكوارث، يمكننا ان نقول ان الشعر في الادب الكردي عبارة عن مرآة تاريخية كبيرة، مرآة للكشف عن المراحل التاريخية الضائعة.

نحن نفتقد الكثير من الاشياء ، نحن غرباء عن تاريخنا، لدينا بعض الشعراء لا نعرف متى ولدوا ومتى وافاهم الاجل.

أعود واقول، ما هو متفق عليه هو ان با با طاهر الهمداني هو البداية، ثم نمر بمرحلة لا نجد فيها شيئا حتى نصل الى فقي طيران والملا الجزيري واحمدي خاني، البداية تبدأ من هؤلاء ، إذ لم يكن هناك شئ في منطقة السليمانية يمكن تسميته بأدب لم يكن هناك صيغة معينة للكتابة، أما موضوع اختيار أي من اللهجات، فاننا لا يمكننا البت في ذلك وليس بمقدور أي كان ان يحل هذا الاشكال، ولكننا يمكننا الحديث في هذا المجال، وهناك فرق بين الحديث في موضوع ما  وفي ايجاد الحلول، فأنا لا يمكنني  أن اقول لك، يجب أن نتفق على اعتماد اللهجة  الكورمانجية الجنوبية في الكتابة الكردية، كما لا يمكنني ان اقول ان الكورمانجية الشمالية هي التي يجب اعتمادها.

 

+ في ذات موضوع اللهجات وأساليب الكتابة، هناك  صيغتان للكتابة باللغة الكردية، ايهما تفضل؟

- لا ضير من الكتابة باللهجتين  المستخدمتين الآن ، في اعتقادي، علينا ان ننظر الى المسألة بواقعية ، فلو قلنا يجب ان نفعل كذا أو كذا ، فهل سيلتزم  عشرات الكتاب  و عشرات الصحف والمجلات بقرارنا؟ وهل سيتخلون عن الصيغة التي يكتبون بها؟

هناك ألـ (زازا) وهم يقولون ( نحن ايضا موجودون).

أنا اقول، إذا كان لا بد من الامر فعلينا ان لا نفعل ذلك قسرا، برأيي من الافضل على ( الدملي أو الزازاكي) ان يتعلم الكتابة بالكورمانجية الشمالية فلا  عيب في ذلك، فهي لهجة كردية.

وعلى ( الهورامي ) ان لا يكتب باللهجة الهورامية، إذ يستحسن ان يتعلم القراءة والكتابة باللهجة الكورمانجية الجنوبية، ولكنه إذا امتنع فلا يمكنني ان اجبره على فعل ذلك.

هناك لهجتان كرديتان  واضحتا المعالم ، من خلال الكتب والحركة الادبية، عبر التاريخ الادبي والسياسي، من خلال التاريخ.

+ المستقبل سيكون لأي من اللهجتين  في اعتقادك؟

 الموضوع حساس للغاية، انسان ما يكتب بحروف معينة وصيغة معينة على مدى 400 – 500 عاما، مد جذورا واساسا وأنشأ مبنى ، ليس من السهل ان تطلب منه ان يكف عنه وكذا الحال بالنسبة الى الصيغة الثانية، عندما  استبدل اتاتورك الكتابة التركية بالحوف اللاتينية، فالحروف اللاتينية ليست حروفا كردية بل هي حروف العالم كله، كل العالم يكتب بالحروف اللاتينية، كما هو الحال مع الحروف العربية فهي ليست للعرب فقط ، فالعرب يكتبون بها مثلما الكرد و الفرس والافغان والبلوش.

 اتاتورك قصم ظهر الثقافة التركية عندما استبدل الحروف العربية بالحروف اللاتينة،  فالاجيال التركية الجديدة لا تعرف شيئا عن الماضي، كما ان الاتراك اخفقوا في تحويل كل تراثهم الى الصغية الجديدة.

المسألة حساسة كما اسلفت فالانسان لا يمكنه ان يبت في هذا الموضوع منذ الآن، ولكننا بمقدورنا ان نناقش الامر من اجل المستقبل، يمكننا الحديث في نوع من ( التلاقح)، ان نستفيد من كل اللهجات الكردية في مجالي الحروف والمصطلحات وفي أي مجال كان.

علينا ان نترك القرار للمستقبل، الى حين يتضح المصيرالسياسي.

+ما مدى اطلاعك على اللهجة الجنوبية المستخدمة في كرماشان وانحائها؟

- اطلاعي قليل، هل ياترى ان هناك شيئا كبيرا الى درجة انني لم اطلع عليه، أعتقد ان ما هو موجود يدخل في اطار الفلكلور.

 

بين بيكه س الاب والابن

 

+مَن مِن الشعراء القدامى يستوقفك؟

- من القدامى، لا شك ان هناك مجموعة من الشعراء الكبار، فـ ( خاني) كبير جدا عندي، وكذلك نالي فهو كبير ايضا ، نالي من الشعراء الذين احبهم كثيرا، انه شاعر وفنان كبير، وكذا الحال بالنسبة الى محوي وكوران ومولوي.

+وماذا عن والدك بيكه س؟

-بيكه س! هناك الكثير من بذور  بيكه س في حياتي، بيكه س كأب أو كشاعر و مناضل.

+ مَن مِن شعراء الغرب الهمكم ، بمن تأثرتم؟

- انا أقرأ باللغة العربية، وقد اطلعت على اداب الشعوب الاخرى من خلال اللغة العربية ايضا، وقبل ان اتأثر بالشعراء الاجانب فقد تاثرت بالشعراء العرب من امثال محمود درويش وادونيس فهما شاعران كبيران، والتأثر لم يكن بالشكل الذي يجعلنا مقلدين.

+ما الذي تركه بيكه س الاب لبيكه س الابن؟

- عندما توفى والدي كنت في السابعة والنصف من عمري، ولهذا فإنني لم اتمكن من الاصغاء اليه  بوعي ، لم اتمكن من الافادة من تجاربه ، ولكنه ترك لي قوة معنوية كبيرة  كـ ( أب )، بامكاني ان اقول انه زرع  في كياني اولى بذور حبي للشعر، فانا اتذكر منذ طفولتي  كيف كان الناس يحترمونني بعد وفاة والدي، لكونه كان شاعرا، شاعر يتحلى بموقف، كان محبوبا للغاية بين الناس، كان كالسراج معلقا فوق رأسي، ينير لي طريقي.

عدا ذلك فإن قصيدة ( لايه لايه) التي غناها لي، هي بمثابة جرس يحذرني منذ الطفولة، كي لا   انسى أبدا، الطريق التي سلكها والحب الذي كان يكنّه لوطنه.

في مرحلة لاحقة، قررت ان اقرأ قصائده بوعي ، بيكه س كان طريقا بالنسبة لي ، كان مصباحاً، كان جبلاً.

+هل يا ترى بلغ بيكه س الابن ما بلغه والده؟

-لا ادري، كل منّا عمل لنفسه، هو كشاعر، كأب وأنا كابن ، كشاعر، لكل منا شخصيته وكل منا كان شاعرا لعصره، أنا لست شاعرا للعصر الذي عاش فيه وهو ايضا لم يكن شاعرا للعصر الذي انا فيه، كل منا كانت له ظروفه الخاصة به، له زمانه له ( السبك ) الخاص به.

+ هل صادف ان قيّمت قصيدة ما لوالدك؟

- كلا ، لقد قلت فيه الشعر الا انني لم اتصدى لأي من قصائده.

 

 

شيركو بيكه س وزيرا للثقافة

+ماذا عن موقفكم السياسي؟

- المواقف السياسية لم تكن وليدة تلك الفترة ، الشعر بحد ذاته موقف سياسي بشكل عام، وجود موقف ازاء الحياة، ازاء الوجود، ولكن حينما يكون للشعر موقف ايديولوجي محدد، فهذا موضوع آخر، الحزب ، أي حزب، ( السلطة) بامكانها قتل الشاعر، غير انها لا يمكنها أن تصنع شاعرا.

انا شخصيا التحقت بالجبال ثلاث أو اربع مرات، عشت حياة البيشمه ركه ، الكثير اصدقائي  قتلوا وهم الى جواري، الكثير ممن كنت اعرفهم لم يعودوا في الحياة، هؤلاء تركوا اثرا بالغا في حياتي، ولهذا فان الشهيد يحتل مساحة واسعة في قصائدي، هناك الكثير من اسماء الشهداء في اشعاري، وهذا هو جزء من وفائي  حيال هؤلاء.

+بعد انتفاضة الربيع عام 1991 كانت لكم مشاركة في تجربة الحكم في كردستان العراق، شاركتم في حكومة الاقليم، حبذا لو حدثتنا عن تلك التجربة.

-في العام 1991 وبعد العيش لعدة اعوام في اوربا، عدت الى كردستان التي كانت تعيش ظروفا جديدة بعد حرب الخليج، كانت منطقة محررة وآمنة، وشعرت بضرورة المشاركة في البناء كشاعر، وكانوا قد شكلوا حكومة وكلفوني بادارة وزارة الثقافة، وقد عملنا بقدر ما استطعنا ولكننا كنا نفتقر الى الامكانات المادية ونعاني من العديد من الحصارات، واذا لم تكن الامكانات المادية متوفرة فليس بمقدورك ان تنجز شأنا ثقافيا، لا تستطيع فعل أي شئ، كل هذه الامور تحتاج الى اشياء عملية، فهناك المطبعة وهناك الصحيفة ووو، ورغم ذلك فقد واصلنا العمل وتعقدت الامور بالتدريج، ساءت، ازدادت المنافسة الحزبية الى درجة اننا كنا نعارض حتى قراراتنا، ولهذا السب  تخليت عن العمل في الوزارة.

+عندما كنتم في الوزارة، كان البعض من ادباء كردستان مستاءَ لأنكم لم تهتموا بالادباء حسب زعمهم؟

-عليك ان تعرف ان الانسان يعمل بقدر امكانياته، انت تعمل بقدر ما هو متوفر لك، بامكانك العمل حسب ميزانية الوزارة .

+ ماذا استفدتم من تجربة عامين في العمل كوزير للثقافة؟

- فهمت من هذه التجربة انني كشاعر، بحاجة الى مساعدة ودعم كبيرين، بحاجة الى التزام، لكن احدا لم يلتزمني.

+دعم في اي مجال؟

- بسبب الظروف، المنافسة السياسية ادت الى عزوفهم عن الاهتمام بالمساءل الحكومية، على سبيل المثال، كل الاطراف كان لديها صحف و قنوات تلفزيونية خاصة بها باستثناء الحكومة،

في الحقيقة، وزارة الثقافة تعني الامكانات المادية، تعني ميزانبة، يعني توفير الدعم المادي، وانا كنت اعاني من عدم وجود هذه الامكانيات ولهذا فانت لا تستطيع انجاز الاعمال الكبيرة، لم يكن بمقدورك ان تصدر مجلة رصينة، لم تستطع ان تمتلك اذاعة جيدة او قناة تلفزيونية معتبرة.

علينا ان نستشف من تلك التجربة، اننا حين نمرّ بتجربة اخرى، فلا بد ان نضع موضوع الثقافة الكردية والكرد ضمن اولوياتنا، لا يجوز ان نعتبر مسألة الهوية الايديولوجية الساسية معيارا للمسألة الثقافية والا فاننا سنخفق في عملنا، أنا نفسي كنت اردد انني وزير لثقافة الكرد وليس لقائمة معينة، لقد كانت تجربة بالنسبة لي، وقد ادركت ان هناك الكثير من الاشياء لا تعدو عن كونها كلام فحسب،  شعارات ليس الا، فأنت تصدر قانونا معينا ولكنك لا تعمل به، فأي وزير انت، إذن؟

+هل بامكاننا ان نقول ان شيركو بيكه س  قدم خدمة عن طريق الشعر اكثر مما قدمه من خلال الوزارة؟

- قلت هذا الكلام اكثرة من مرة، كرسي الشعر اعلى من كل الكراسي الاخرى. ولكن حينما توكل اليك مهمة ما ، فانت مطالب من قبل الناس، انها فرصة تاريخية وعليك ان تعمل على وجه السرعة من خلال ذلك الموقع، عليك ان تعمل، واذا عملت فعليك ان تعمل باتقان، واذا لم تتمكن من العمل باتقان فعليك ان تنسحب بشجاعة وانا كنت الظاهرة الوحيدة في تلك الحكومة حينما قدمت استقالتي.

 

الشعر والحياة في الخارج

 

+حدثنا قليلا عن حياتك في الخارج؟

- بعد تجربة العمل في وزارة الثقافة عدت الى السويد لمدة عامين فأنا حاصل على اللجوء السياسي هناك منذ العام 1987 حيث حصلت على جواز السفر بعد اربعة اعوام بمساعدة اتحاد الادباء السويدي، لا امارس عملا معينا هناك، التحقت ببعض دورات تعليم اللغة السويدية، امضي معضم الوقت في المنزل في القراءة والكتابة.

+حدثنا عن نتاجاتك؟

- اتعرض لامطار الشعر منذ ثلاثين عاما، في العام 1957- 1958كنت في السابعة عشرة من عمري حينما نشرت اول قصائدي طبعت اولى مجموعاتي الشعرية عام 1968 .

لدي اكثر من 12 مجموعة شعرية فضلا عن مسرحيتين شعريتين ( كاوه الحداد) و( آسكه) كما ترجمت رواية ارنست همنكواي الموسومة ( الشيخ والبحر) من العربية الى الكردية، عدا قصائدي المنشورة في الصحف، لدي بعض المقالات النقدية ، كما ترجمت بعض القصائد الاجنبية الى اللغة الكردية، ترجمت بعض المسرحيات العالمية كـ ( عرس الدم) للوركا.

لا شك ان الشاعرلا يمتلك ادواته الفنية في بداية عهده الا انه يكتسبها تباعا من خلال المران  والتجريب، نمو التجربة الشعرية وتطورها مرهون بالموهبة وبقدرة الشاعر، كيف يتطور؟ ما هي اضافاته على نتاجاته السابقة، واحدة من احلامي كانت ان لا اكون صوتا لأحد ما، ان اكون صاحب صوتي الخاص بي، ان اصنع شخصيتي الشعرية الخاصة، انا لا ادعي ان قصائدي كلها بهذا المستوى الرفيع، لا شك ان لكل شاعر قمم شعرية مثلما له وديان، لديه انحدار، لديه تحليق مثلما لديه هبوط.

+ قلتم ان للشاعر تحليق في الاعالي وله طيران في المنخفضات، حبذا لو اعطيتنا نموذجين من قصائدك ؟

- هذا الطيران المنخفض نجده في دواويني الاولى، لاشك في ذلك وبالتحديد في ديواني الاول والثاني، لأن تجربتي الشعرية لم تكن مكتملة آنذاك.

+هل تعتقد ان قصائدك الاخيرة خالية من الطيران المنخفض؟

- من المحتمل ان نجد ذلك في سطر ما أو صورة ما، وجوابا على سؤالك اقول:

لو اعطوني 3000 صفحة من قصائدي فإنني سأختزلها في 1000 صفحة ، هذا هو ما يتبقى للشاعر، مجموعة مختارة، على سبيل المثال، أحمد شاملو، لن تبقى له كل قصائده بل سيحتفظ بمجموعة قصائده، محمود درويش أو ادونيس، لن يتبقى لهما سوى مجموعة من القصائد.

ديوان الشاعر كوران، بعض القصائد تبقى لكوران اما البقية فهي قصائد عادية، تبقى ولكنها لا تتحول الى رمز. وهذا الشئ موجود في تجربتي الشعرية انا ايضا .

واحدة اخرى من خصائص تجربتي هو عدم الوقوف في منطقة شعرية واحدة  فأنا لا اعتبر الشعر محطة، فهناك القصيدة القصيرة والقصيدة الطويلة والقصة الشعرية و المسرحية الشعرية، آخر محاولاتي كانت في كتابة الرواية الشعرية، الملحمة الشعرية ، انا عملت في هذا المجال الذي وضعني امام الكثير من الخيارات و منح نتاجي اشكالا مختلفة من الابداع .

غالبية اشعاري المترجمة الى اللغات الاخرى هي من القصائد القصيرة، لأنها سهلة الترجمة من قبل المترجم أولا، وثانيا لكونها من نمط واحد ، برقية، أو ضربة، أو انها قصائد فكرية، شعر حالة ، فيها صورة، وربما هذا هو السبب في ترجمة قصائدي الى اللغات الاخرى، أنا لدي تجربة اخرى، فانا في اوربا لا اترك قصائدي في البيت بل احملها معي.

+ ماذا عن جائزة ( توخولسكي) التي حصلت عليها قبل عدة اعوام؟

- جائزة توخولسكي... توخولسكي اديب الماني معروف ، بامكاننا ان نقول انه من عهد بريخت، هناك العديد من الجامعات والمكتبات والشوارع تحمل هذا الاسم.

توخولسكي يهرب من المانيا ويلجأ الى السويد في عهد النازية، ولكن الحكومة السويدية آنذاك لا تهتم به كما ينبغي، ما يدفعه الى الانتحار... وللتعويض عن ذلك فقد ابتكرت السويد جائزة سنوية باسم توخولسكي تمنح كل عام الى احد الادباء اللاجئين الى السويد.

في العام 1987- 1988 منحوني هذه الجائزة وكانت المرة الاولى في تاريخها، تقدم من قبل رئيس الوزراء السويدي.

لا تنسى ان الجائزة لم تكن لشيركو بيكه س فقط  بل كانت بوابة على الشعر واللغة الكردية.

+ ما عدا الشعر، هل حاولتم كتابة نوع آخر من الادب، القصة ، الرواية مثلا.

- أنا ابحر في عالم الشعر باشكاله المختلفة، الشعر المسرحي، الشعرالقصصي، وما اكتبه الان هو الشعر الروائي ( قصيدة ) روائية، ملحمة شعرية جديدة، انا اكتب النثر احيانا، اقصد ما يسمونه بالعربية( قصيدة النثر).

 

+ تعيشون في اوربا منذ عدة اعوام هل ياترى تأثر نتاجكم بالمناخ والبيئة الجديدة التي تعيشون فيها؟

-نتاجي لا زال امتدادا لنتاج الماضي مع ( اغتراب) دخل اليه حديثا، انه اغتراب النأي عن الوطن - اغتراب الكرد بشكل عام- .

لا شك ان هناك تأثير، ولكنني لازلت اشعر وكأنني اعيش في حلم وهو ذات الحلم الذي كنت اعيش فيه في الماضي. عدا ذلك فإن الغربة لم تتجسد بشكل جلي الا في قصيدتي الطويلة (مضيق الفراشات)، ربما ما كنت كتبت تلك القصيدة لو لم  أكن بعيدا عن الوطن.

مسألة الاغتراب انعكست مرة ثانية في ( مضيق الفراشات) ... غربة الشاعر ازاء الوطن، ازاء اسئلة الحياة والوجود، عودة (مولوي) مرة اخرى، عودة حاجي قادر الكويي ثانية، عودة شريف باشا مجددا، مولانا خالد النقشبندي، هذا واضح ..فكل هذه المسائل هي الغربة، غربة العيش بعيدا عن الوطن هي التي  تعيد كل هؤلاء الى قصيدتي  ممزوجة بالمساءل الشخصية والعامة.

قصيدة( مضيق الفراشات) واحدة من القصائد التي تعكس اعوامي الاخيرة بشكل واضح.

هناك قصائد اخرى، قصيرة، كتبتها بين الفينة والاخرى، اتحدث فيها عن الغربة، غربة وجودية ازاء الحياة، ازاء كونك لم تمتلك بيتا في أي وقت من الاوقات، غربة في مقابل كونك (سؤال) دائم ، كونك امام طريق موصدة،  ممنوع من التحليق، هذه هي الغربة بالنسبة لي.

لا شك ان الحياة لفترة ما خارج الذات، تدفعك الى التفكير، الى التأمل في الحياة، بشكل خاص حينما تعيش في مملكة حافلة بالكوارث، كيف يتسنى للاديب ان يقول شئيا غير قابل  للزوال، في هكذا دوامة؟ كيف يمكن  ان يكتب شيئا لا يجرفه التيار،  لا يأخذه الزمان، وهذا بحد ذاته عذاب آخر.

الوحدة التي تراها في الغربة لا تساعد الاديب والشاعر في التفكير والتأمل لزيادة عشقه للعمل،

كتابة الشعر عبارة عن عشق، ولكن هذا العشق يكون اكثر اتقادا في الغربة، يزداد لهيبا، يزداد ضياءً.

في الغربة تتفاقم الالام ، الغربة تجعلك تبحث عن لغة اقوى للتعبير، تجعلك تحس انك تقول شيئاة ما للمرة الاولى أو ربما للمرة الاخيرة.

+ماذا عن مواقف الشاعر؟

- الشاعر أو الاديب عادة ما ينظر الى الفضاء الواسع ، ينظر الى القضية، لا ينظر الى الايديولوجيا التي بداخلها، لا ينظر الى الاشياء الصغيرة، موقف الشاعر عادة ما يكون(أضافة) ألى المسألة، لا يمكن الفصل بينهما، الشاعر لا يصبح  ملحقا، لا يصبح ملحقا لأي حزب أو مؤسسة ، و (القولبة) هي واحدة من مخاطر الايديولوجيا، حينما تصبح موظفا او شاعرا لحزب ما أو لمجموعة، أما كيف هو  نمط تفكيري أو فكري السياسي ، فهذه مسألة اخرى، اهم شئ بالنسبة لي  هو ان تنبع الاشياء من وجدان الشاعر من اعماقه ولا سيما اذا كان شعرا ، فمن الاولى ان يكون شعرا في كل الاحوال، الشعر هو كل شئ، الشعر هو الحياة، هو السياسة، هو المراة هو الشجرة، الشعر هو النهر، ليس هناك شئ ما، لا يجد له متسعا في الشعر.

 

بيكه س وجائزة نوبل للاداب

 

+سؤالنا الاخر عن جائزة نوبل للاداب، هل فكرت في نيل الجائزة؟

- لا علاقة لجائزة نوبل بتفكيري انا، كما تعلمون فإن جائزة نوبل هي اكبر جائزة في العالم، وبالنسبة الى كردي لا يملك مؤسسة كبيرة خاصة به، ليس لديه دور للترجمة والنشر، لا يمكنه ايصال كل نتاجه الابداعي الى العالم، ونحن لم نترجَم إلا لماما، الى اللغات الاخرى، وقد تم هذا بجهود شخصية، غير ان الاداب الفارسية لم يتم ترجمتها الى اللغات الاخرى بجهود فردية، هناك مؤسسات و هناك دور للترجمة والنشر، ربما هناك العشرات من المترجمين الجيدين الذين يمتهنون الترجمة، عدا ذلك فإن جائزة نوبل تعني الانتاج الابداعي اضافة الى الاعتبارات السياسية.

على سبيل المثال، معضم نتاجات يشار كمال مترجمة، وكذا الحال بالنسبة الى نجيب محفوظ، يجب ان تكون ذا نتاج غزير، الى جانب ترجمة اعمالك الابداعية فعليك ان تكون صاحب نتاج كبير، عشرات الروايات تصدر يوميا، ربما هناك دور للنشر تنشر المئات من الروايات، ولهذا فالمسألة لا علاقة لها بتفكيري انا، كما ان هناك الكثير من الادباء في العالم ممن هم افضل منا.

+تقول ( في العالم)..ماذا عن الكرد؟

- لا اعرف هذا، انتم من يحق له ان يحكم في هذا الموضوع فأنا اتمنى ان اكون آخر من يتحدث في الموضوعات المتعلقة بي، لا أعتقد ان هناك اديبا في العالم لا يفكر بجائزة نوبل.

ولابد من القول هنا ان قصائدي المترجمة الى اللغات الفرنسية والالمانية والسويدية والايطالية، ارسلت الى الاكاديمية السويدية ، هم لديهم مكتبة خاصة بهم وما عليك الا ان ترسل لهم الكتب لتأخذ طريقها الى المكتبة، يقرؤنها أم لا؟ ألامر منوط بهم.

+كيف ترى أوضاع الادب والثقافة الكرديين؟

- اعتقد ، وربما انتم ايضا تعتقدون ان الاوضاع الادبية والثقافية بشكل عام لا يمكن فصلها عن الاوضاع السياسية والاجتماعية، والحركة الثقافية تختلف من مكان الى آخر ، لكل منها تاريخ خاص ، اسس معينة، لها جذورها، فعلى سبيل المثال، الحركة الثقافية والادبية في كردستان العراق، هي الاطول، قياسا بالمناطق الاخرى، لأن اللغة الكردية اتخذت طابعا رسميا في هذه المنطقة منذ العام 1922، فـ ( معرف كردستان) كانت موجودة هناك منذ ذلك التأريخ، ولا وجود لأي حركة ادبية او ثقافية بدون وجود اللغة ، اذا لم تواكب الحركة تطور في اللغة فلا يمكننا القول بوجود لغة ادبية وثقافية.

انتم لديكم حركة ادبية لأن هناك مجلة مثل ( ئاوينه) واخرى تسمى ( سروه)، لديكم راديو ، اذا لم يكن لديكم ئاوينة وسروه فلا وجود لحركة ثقافية.

اسس  القراءة والمطالعة  الكردية اكثر متانة وقوة في كردستان العراق، لها ارضية واسعة، فلهذا فان المكتبة الكردية هناك اكثر غنى ، ليس في مجال الشعر فحسب بل في مجالات القصة والتاريخ والاقتصاد وحتى الموضعات العلمية، فضلا عن انها تقرأ وتدّرس في المدارس ايضا، الكتب العلمية الدراسية لمرحلة الاعدادية، مترجمة الى اللغة الكردية، لهذا فاننا وفي مجتمع كالمجتمع الكردي بامكاننا الحديث عن كل واحدة من هذه على حدة، ان نقول :

هذا هو حال الحركة الثقافية هنا أو هنا، فالاوضاع في كردستان الشمالية تختلف كثيرا، لأن اللغة الكردية كانت محظورة لاعوام طوال، واذا كانت اللغة محظورة فهذا يعني انهم لم يسمحوا بقيام حركة ثقافية، واذا لم تنشأ الحركة الثقافية فلا نشوء لشاعر او اديب، وقد تم التعويض عن هذا الخلل في الخارج،  فبدأت حركة ثقافية كردية من تلقاء نفسها في اوربا ، بالحروف اللاتينية وباللهجة الكورمانجية الشمالية، فهناك صحف وهناك مجلات ولكن بعضها قد يدور في فلك ايديولوجيات واضحة وهي تتمتع بالحرية، المحافل الادبية هناك، على سبيل المثال اتحاد للادباء، اتحاد آخر للثقافة، للفن. هذه المؤسسات تشهد تطورا كبيرا في اوربا، ليس هناك شئ من هذا القبيل في كردستان تركيا، وعلى هذا الاساس يمكننا ان نقول :

ان الوضع السياسي الاجتماعي الكردي، انعكاس لظروف الحركة الثقافية في عموم كردستان، عندما ننظر الى هذه المرآة الكبيرة، يمكننا ان نفصل بين هذه الحركات، هذا هو الواقع، شئنا أم ابينا، لأن الكرد مقسمون الى عدة اقسام، ولهذا هناك عدة اجزاء من الحركات الثقافية المختلفة.

 

 

 

الانشطة الثقافية الكردية في اوربا

 

+كيف هو حال الانشطة الثقافية للكرد الذين يعيشون في اوربا وماهو مستوى هذه الانشطة ؟

-انتم تعلمون ان موجتان من الهجرة حدثتا في فترتين مختلفتين، لا سيما من كردستان العراق، الهجرة الاولى كانت بعد نكسة عام 1975، اما الثانية فقد كانت خلال عمليات الانفال عامي 1988- 1989، فقد هاجر الكثيرون خلال هاتين الفترتين، ولا شك ان هناك عددا من الادباء والشعراء والفنانون بين هؤلاء المهاجرين.

أما بالنسبة الى تركيا فإن عددا كبيرا من الكرد قد هجرها الى المانيا بشكل خاص من اجل العمل، منذ وقت مبكر، لأن تركيا كانت مدينة بتوفير الايدي العاملة لالمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ولهذا فاننا نجد اعدادا كبير من الكرد هناك، و لكن العمال الكرد فقراء، ولا شك ان بين هؤلاء عدد من المواهب،  قد يصل عدد المغتربين الى المليون شخص، وهذا رقم كبير، وهؤلاء يتمحورون حول العديد من التجمعات والمراكز المختلفة، ما ادى الى نشوء عدد من المراكز الثقافية والاجتماعية، بشكل قانوني، في هذه الاماكن، فقد سمحت لهم تلك الدول بافتتاح هذه المراكز، على سبيل المثال هناك العديد من المراكز الثقافية الكردية في المانيا، في السويد ، هناك اتحاد الجمعيات الكردستانية، في باريس، هناك المعهد الكردي ، شئنا أم ابينا فإن هؤلاء قد انجزوا انشطة ما، إن كانت من خلال المطبوعات أو عبر عقد المؤتمرات والاجتماعات، أو عن طريق جمع شمل الادباء والمثقفين بين الفترة والاخرى.

كما ان فضائية ( ميد) التي تبث من اوربا ، غالبا ما تقدم برامج ثقافية وادبية، ولكن شكل العلاقة التي تربط بين الادباء والمثقفين هناك، صعبة ومعقدة، لأن كل واحد منهم يعيش في مكان معين، كل جمعية تراها في مكان ما، وبعيدا عن مسألة الادب والثقافة فإن كل واحد من هؤلاء يسعى  من اجل الحياة و الحصول على لقمة العيش.

+حديثكم انصب على المجلات ، ماذا عن الصحف الكردية التي تصدر في اوربا والخارج؟

-من الصحف الكردية التي صدرت لفترة ما، صحيفة ( هه نكاو) التي كانت تصدر اسبوعيا عن مركز ( هه والنامه ) الثقافي، ليس هناك صحيفة بمعنى الكلمة، أي انها تصدر بشكل يومي.

هناك نوع من الزمالة والصداقة وتفضيل الادب على الاشياء الاخرى، ولولا هذه الاعتبارات، فاننا لا نستطيع انشاء مركز ادبي جيد، المكان غير مهم ولا ضير ان يكون في لندن او في السويد ، وهذا يحتاج الى السعي والحركة، يحتاج الى تجاوز المسائل الذاتية والفكرية والانتماءات الحزبية والايديولوجيا ووضعها جانبا، من اجل انشاء اتحاد خاص بالادباء الكرد.

 

لا أجد عند نزار قباني ما اجده عند محمود درويش

 

+ما مدى اطلاعكم على الامور الثقافية في كردستان الايرانية وفي ايران عموما؟

-ايران صاحبة حضارة ومدنية عريقة وهي متقدمة ولا سيما في مجال الشعر الكلاسيكي الفارسي، والادب الفارسي يعتبر من الاداب العالمية الكبرى، في اعتقادي هي قمة من قمم الاداب العالمية الكلاسيكية، ابتداءً من حافظ وصولا الى جلال الدين الرومي مرورا بالعديد من الشعراء الذين رسموا لأنفسهم خارطة ادبية وثقافية رصينة.

لغتي الفارسية متواضعة ولكنني استطيع ان أقرأ بها بعض الاشياء، في مرحلة ما كنت اسعى للاطلاع على الادب الفارسي ، كنت اتمنى ان اقرأ لـ (نيما يوشيج ) وأقرانه وصولا الى الشعراء الذين جاؤا بعده، كـ ( شاملو) والاخرين، انا اشعر ان المبدعين الكبار لا ينقطعون عن هذه البلاد، النفوذ الادبي الكبير، العقل الشعري الكبير، هذا ما يتعلق بالادب الفارسي بشكل عام.

فيما يتعلق بنا، ابتداءً من وفائي الذي تخرج من مدرسة نالي، وصولا الى مدرسة هيمن

 وهه زار مرورا بصوت اخر مغاير من زمن مغاير مثل سواره ايلخاني زاده والاخرين ومعهم الشعراء الجدد الذين يطلون من نوافذ مجلتي ( ئاوينه ) و( سروه) ، هؤلاء ايضا يجد الانسان بينهم، بعض المواهب اللامعة.

+نبقى في عالم الشعر ولكن في جغرافيا مغايرة، ما رأيك بشاعر العرب نزار القباني وبشعره؟

-منذ القدم، منذ أن بدات بقراءة الشعر العربي، قرأت قصائد نزار قباني، لا شك ان لنزار قباني عالمه الخاص، له سبكه الخاص، قباني له عالمه الذي يميزه عن الاخرين بكل سهولة، في قصائده نكهة لذيدة، ولكنني لا أجد عنده ما اجده عند محمود درويش وادونيس من شعر، وهذا لا يعني ان نزار قباني شاعر كبير، عندما تسألني ( كمتعة وتذوق)  ربما كان شعر محمود درويش اكبر من شعر القباني، احلى، السبك الشعري عند القباني اكثر حيوية الى حد ما، على عكس محمود درويش، في فترة ما كنت قد ترجمت قصيدة نزار قباني ( سيرة سياف عربي) الى اللغة الكردية بصيغة الشعر، ولا تنسى ان نزار قباني هو صاحب اكبر عدد من القراء العرب.

+ السؤال الاخر عن الشعر ايضا، ما رأيك بالشعر الكلاسيكي ( العمودي) الذي لا يزال موجودا في العربية لكنه انقرض في الكردية؟

- هذا الامر مرهون بمساحة الشعر، الشعرالعمودي بات يحتظر حتى عند العرب، في الكردية كان موجودا حتى الاعوام الاخيرة، في تصوري ان الشعر الجيد لا علاقة له بالقديم والجديد فالمعيار هو الابداع ، على سبيل المثال، شعر حافظ  يبقى شعرا ، ولكن كل مرحلة تجد لها شكلا ومحتوى خاصين بها ، يختلفان عن الشكل والمحتوى  الموجودان على عهد بيكه س، والشكل الموجود في عهد بيكه س يختلف عن ذاك الذي كان موجودا في عهد نالي ، الشعر شعر ، و الشعر في احيان كثيرة لا يقاس بالوزن والقافية، على العكس، الشعر يجب ان يكون شعرا واذا ما اصبح شعرا فلايمكننا ان نضعه ضمن تعريف محدد. القصائد اللامعة في الشعر العمودي تبقى حية وكذا الحال بالنسبة الى الشعرالحديث، في الحقيقة ان الشكل يأتي بعد المحتوى وليس العكس، قد نستمتع  بقصيدة مكتوبة قبل 500 عام  ولكننا لا نستطيع ان نكتب  باسلوب الكتابة قبل 300 عام .

+بماذا تنصح الصحافة الكردية ان تنشر في مجال الادبيات المكتوبة ؟

- يختلف الامر من مكان الى آخر، فاذا كان القصد هنا، لنقل مجلة ( ئاوينة) او المجلات الاخرى الصادرة هنا، على سبيل المثال ، فبإعتقادي عليها الاهتمام بالتاريخ، قبل كل شئ، فمن الضروري جدا الاهتمام بالتقييم الادبي، بالدراسات الادبية، هذه المجالات تأتي في المقدمة، ثم ارى من الضرورة الانتقاء في مجال الشعر، انتم تنشرون كل شئ، وهذا أمر سئ، هناك قصائد لا علاقة لها بالشعر و قصص لا صلة لها بالقصة، عليكم ان تكونو اكثر دقة عليكم ان تختارو ، لو نشرتم قصيدتين جيدتين في كل عدد، أفضل من نشر عشرين نصا لا علاقة لها بالشعر.

+كيف هي علاقتكم بأدب امريكا اللاتينية؟

- استطاع ادب امريكا اللاتينية في الاعوام الاخيرة ان يتحول الى فضاء للادب العالمي، بمعنى انه استطاع ان يدخل الى قلب القارئ الاوربي والامريكي، و أعتقد ان الفضل في هذا يعود الى اولئك الادباء الذين قدموا تراث بلدانهم الى العالم من خلال سبك ادبي عالمي، على سبيل المثال، غابريل كارسيا ماركيز الذي عرف باسلوب الواقعية السحرية، مزج بين الاسطورة والواقع وبين التراث والتاريخ ، فحينما يقرأ القارئ الاوربي هذا اللون من الادب يشعر بأنه يدخل في عالم جديد ومختلف من ناحية العلاقات الاجتماعية السائدة في اوربا، يشعر بأنه يرى عالما سحريا، فضلا عن أدب رفيع و سبك فني كبير، فسلطة ادبية كبرى مثل ماركيز، تمكن من ذلك من خلال قدمين اثنين، قدم وضعها على تراث وثقافة بلاده وامريكا اللاتينية، وقد وضعها باحكام، ووضع قدمه الثانية على التراث العالمي، على التراث الادبي لكل العالم وفنون كل العالم، ادب امريكا اللاتينية دخل الى روح الاداب الاوربية، وكذا الحال بالنسبة الى الاخرين، اوكتافيو باز وآخرون كثر، يشار كمال مثلا، الكردي الذ يكتب باللغة التركية، هو الاخر، تقرأ رواياته في اوربا بكثافة ولديه الكثير من القراء.

+هل يمكننا تحديد مكانة الاداب الشرقية في اوربا؟

- حينما يكون الادب جميلا ورفيعا فانه يختزل مسألة الحدود، بمعنى انه يتجاوزها والا لماذا يتقبل الاوربيون ادب ماركيز؟ انه من خلال قدرته الفنية وواقعيته السحرية عثر على عوالمه التي تجبر القارئ الاوربي على متابعته، ولهذا فان الاديب حينما يكبر فانه يتحول الى شعاع ، مثلما شعاع الشمس التي تصل الى كل مكان، فالادب الجيد يصل الى كل مكان.

+ماهو تعريفكم للشعر  فلكل شاعر تعريف خاص للشعر؟

- انا اقول ليس للشعر تعريف خاص فحينما نضع تعريفا للشعر فإننا نحصره ضمن اطار، وحينما تضع له اطارا فإنك تحدده مهما كان تعريفك جميلا ، ولهذا فان الشعر اشبه باشراقة بعاطفة الامومة، اشبه بشئ لا يمكنك ان تحصره ضمن اطار، الشعر هو الحياة، ربما كان بالنسبة لي اشبه بأنفاس التراب، نوع من تغريد النجوم أو شكل من سباحة الاسماك ، لون من الوان العطور، هو كل هذه الاشياء، انه الحياة.

+اي الموضوعات تفضل في القراءة؟

-نا أفضل قراءة الرواية والقصة والدراسات الادبية والقضايا الفكرية، وأقرا الشعر لماما.

+لماذا؟

- لا ادري، ربما لأنني اعيش في هذا العالم ، أنا أقرأ الشعر ولكن قليلا، أقرأ الرواية بكثرة، الرواية لها تأثير على قصائدي وعلى مجمل نتاجاتي.

+هل تكتبون الشعر في حالة الغضب؟

-عندما اغضب اميل الى النوم أو  الى الخروج، فالانسان لا يقول الشعر دائما، هناك احداث كبيرة تحصل ولكن الانسان لا يقول شيئا، فعلى سبيل المثال، لم استطع ان اقول شيئا في الانفال و في حلبجه لفترة طويلة، فالشعر يتبلور من نفسه، ثم ان الشعر ليس بسليقة، ليس موهبة فحسب، على الشاعر ان يكون مطلعا على اما يدور عليه ان يكون ملما بصنعة الشعر، حينما تكتب فإنك تضيف جديدا الى رصيدك السابق، لا سيما بالنسبة الى الشعر الكردي، الشعر ليس ان نكتب الشعر فحسب ، علينا ان نسأل باستمرار: ماذا فعلنا؟ انا ماذا فعلت؟ ذاك الآخر ماذا فعل؟ في كل العصور، الشعراء كثر ولكن قليل منهم يتجاوز الحدود، في عهد نالي على سبيل المثال، ربما كان كل ائمة الجوامع شعراء لكننا لا نعرف أحدا سوى نالي، في عهد كوران، كان الكثيرون ينشرون الشعر الحديث في مجلة كلاويز وغيرها ، بامكانك ان تقول( كوران وهردي)

يمكنك ان تذكر بعض الاسماء من المتبقين، هكذا هو الحال في كل الازمان، ولهذا فان ( القلة) هي الافضل عادة، العبرة ليست بالكمية بل بالكيفية.

 

تجربة (  روانكة)

+في فترة ما كانت هناك تجربة شعرية باسم ( روانكه = المرصد) وكنتم واحدا من روادها، ثم حصل فراغ، كيف ترون تلك التجربة؟

-ليس هناك حداثة مطلقة، ولا يمكن  لجيل لا يتحلى بالموهبة ويكون اكثر تقدما من الجيل الذي سبقه، هذا هو دستور الحياة، انا أملك الان ، انت تملك .. تكتب، نحن نبدع لأنفسنا، ننجز شيئا، عليكم ان تعرفوا ان العملية لا تتوقف عندنا، على الاخرين ان يأتوا من بعدنا و يتجاوزونا ، لابد ان يكون هناك تجاوز فالانسان جديد في عصره ولكنه  ليس من الضرورة ان يكون حديثا ، لكل الاوقات والذين يصلحون لكل الازمنة قلة ونادرون... اتحدنا مجموعة من الشباب اوائل السبعينيات في ظروف مناسبة واصدرنا بيانا ادبيا رجّ البركة، لم تكن لتجد ملامح ادب جديد، لم تكن تشعر بوجود سبك أو لغة تعبيرية جديدة أو صورة حديثة للتحرر من القيود، نحن شعرنا بذلك ، كان ايذانا، صرخة، رمينا بجحر الى بركة، فرجّت البركة فيما بعد، لم نكن نجد عيّنات مما ننادي به، في متناول ايدينا في ذلك الحين باستثناء بعض النماذج البسيطة، ثم ظهرت  نماذج منها بالتدريج خلال الاعوام المقبلة، بعد عشر سنوات من تلك الدعوة يمكنك أن تؤشر بوضوح تلك النماذج ضمن ادب ( روانكه).

( روانكه) كان نداءً على مسرح فني ادبي، عبر العديد من الاصوات المختلفة، من اجل ابداع ادبي، تواصلنا فيما بعد، استمر البعض فيما صمت البعض الآخر.

+ما الذي يدعو الشاعر الى التوقف؟

-توقف الشاعر يعني انه توقف عن العشق، حينما يتوقف العشق فإن الشعر يتوقف ايضأً.

+ناك من يقول الشعر ولكن.....؟

-هذا عشق مصطنع، من الافضل ان لا يقول شيئا، حينما يعرف الرجل انه سيعود الى الشعر بوهن فمن الافضل له ان لا يعود.

+هل بامكاننا ان نسأل عن الشاعر عبدالله به شيو؟

- لم لا، عبدالله به شيو واحد من الشعراء البارزين، وهو في سني ومن جيلي، حينما كان عبدالله به شيو يقول الشعر الحداثوي  في اربيل، كان الشعر هناك قد توقف على قدميه للتو،

تأثر به عدد من الشعراء والموهبين في مدينة اربيل، دواوينه الشعرية التي قرأتها لم تخل من الاشكال  والحركات الشعرية الجميلة.

-ماذا عن لطيف هلمت؟

+ لطيف هلمت من الشعراء الذين كانوا منذ البداية، يتدفقون مثل عين ماء، على سبيل المثال  ( الله ومدينتنا الصغيرة) كانت  من اجمل القصائد الكردية ولكن قصائده التالية كانت متواضعة، ليس ضروريا ان يكتب الانسان الشعر من اجل الشعر، عليه ان يكتب الشعر من اجل الاضافة، من اجل تجدد اكثر، وحينما يُطرح عليّ هذا السؤال، لا استطيع أن اتجاهل هذه الحقيقة، انا الشاعرالذي على ان اكون منصفا اكثر من الاخرين.

+كيف تقيّم واقع النقد الكوردي؟

-النقد الادبي عندنا نقد لا يتعدى حدود القذف من جهة الى الجهة الاخرى لم يخرج من حدود القمع، قد نجد  نقدا علميا بصيغة المقال وهذا نادر، ولكننا لا نجده بصيغة اخرى، وهذا ليس هو الفراغ الوحيد في الادب الحالي بل هناك تساؤل فيما يتعلق بتقييم حقيقي في للادب الكلاسيكي الكردي.

+كرمز نجده في شعرك او في الشعر الكردي بشكل عام، ما هو التغيير الذي طال دور المرأة الكردية؟

- لم تعد مسالة الحب والعشق في الشعر ذات بعد واحد كما كان في السابق، فالتغزل بالمرأة في الماضي، كان غزلا بحد ذاته، ولكن الغزل- الآن- يمتزج باشياء اخرى، فقد تتحول قطعة حجر الى خطيبة وربما تتحول شجرة ما الى حبيبة، مصدر ما يصبح رمزا لكل اغراضك.

قد ترى السماء في عيني حبيبتك أو ترى حبيبتك في زرقة السماء الصافية، كل الاشياء اختلطت مع بعضها البعض فالحدود لم تعد تقسّمها الى نصفين، كما كان في السابق، الحدود تمازجت، القصة القصيرة اختلطت مع الشعر والشعر اختلط بالفن التشكيلي والرسم ، هذه الاشياء لم تعد كما كانت، في الماضي كان الشاعر يقول الشعر لإمرأة ، ولكن الحال الان مختلفة فانا حين اتكلم عن المرأة في قصائدي ربما  اتحدث عنها وكأنها ممتزجة بالحياة كلها، ممتزجة بكل البحار، المرأة ليس كإمرأة فحسب، المرأة كإنسانة ، المرأة كمصير،المرأة كاُم كحبيبة ككل الاشياء المقدسة.