Warning: Division by zero in /home/galawej/public_html/tmp/templates_c/cgbd297^eaff6abc0894fc43cc026e79a1ff7ef9439afb78.module_db_tpl.CGBlog;detailndesign.php on line 71

ثقافة حقوق الإنسان في ظلّ التطوّر الدولي (مسرد)

إعداد: جلال زنكَابادي
Jan 7, 2018

   { مايلي مسرد مختزل لمقتطفات مولّفة بصيغة مقالة ؛ لترويج ما هو جوهري في مقدمتيّ وتصدير كتاب (ثقافة حقوق الإنسان/ مجموعة مثقفين/ إعداد: د.عبدالحسين شعبان/ ط1 في2001/ رابطة كاوا للثقافة الكردية/ 230 صفحة من القطع الكبير/ والكتاب يتضمّن ماطرحه العشرات من خيرة المثقفين والباحثين والحقوقيين من آراء بخصوص(ثقافة حقوق الإنسان) بأبحاثهم أو مداخلاتهم أو تعليقاتهم، في حوارات جادة، جرت في خمسة ملتقيات فكرية نظمتها(المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا) برئاسة د.شعبان الشخصية البارزة في هذا الميدان، فضلاَ عن كونه أديباً وباحثاً}(ج.ز)

*

  يقيناً سيظل موضوع (ثقافة حقوق الإنسان) أحد أهم المواضيع الأساسية،التي تستوجب إعمال الجهد والفكر وإبتداع أساليب جديدة لنشرها وترويجها وتعزيزها، ليس على صعيد النخب السياسية والثقافية والفكرية فحسب،بل على صعيد المواطن الإعتيادي، في المدرسة، الجامعة، الحقل، المصنع، والوظيفة الأهلية والحكومية؛ بحيث تغدو في متناول الجميع،وبذلك يمكن حماية حقوق الإنسان وتعزيز حرياته الأساسية، والدفاع عنها ضد أيّ إنتهاك أو تجاوز.

 لم ينقطع الجدل والنقاش حول فكرة ومفاهيم حقوق الإنسان، منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في(10/11/1948) خصوصاً في فترة الصراع الآيديولوجي المحتدم والحرب الباردة، ومازال الحوار يرتفع ويثور حول الكثير من المفردات،التي تدخل ضمن نطاق حقوق الإنسان؛ فحرية الفكر والعقيدة وحق التنظيم والإعدام خارج القضاء وحالات الإختفاء والعزل السياسي، والحق في محاكمة عادلة والإمتناع عن التعذيب، كلّها مصطلحات لها دلالات مختلفة لدى شتى الحكومات والإيديولوجيات والسياسات، كما أن مشكلات مثل المجاعة والبطالة وتلوث البيئة ونتائج الحروب والوجود العسكري الأجنبي ؛ فتشغل حيّزاً غيرضئيل من فكرة حقوق الإنسان، مثلما الحال في قضايا حق تقرير المصير والسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، إضافةً إلى قضايا حقوق المرأة والعنصرية والتطرف وحقوق الأقليات، تقابلها المشاركة والإنتخابات، دون إهمال لحرمة المنازل وسرّية المراسلة والهاتف والإتصالات، والحقوق الفردية الأخرى...

  وإذا كانت تلك المفردات قد وجدت طريقها إلى التقنين الدولي في إطار حقوق الإنسان؛ فإن العالم العربي مازال يعاني الكثير من النقص والقصور في تناول هذه المشكلات، بما يتناغم مع التطور الدولي،الذي حصل في هذا الميدان؛ بسبب مفاهيم مختلفة وأطروحات عتيقة منعته من السير في طريق تعزيز إحترام حقوق الإنسان والإلتحام والتفاعل مع الحركة العالمية في هذا الميدان.وإذا كان هذا النقص فادحاً وكبيراً من الناحية النظرية والتشريعية والدستورية؛ فإننا نستطيع تلمس مدى الضرر الكبير في هذا المضمار على الصعيد العملي والممارسة الفعلية.وإذا كانت حركة حقوق الإنسان قد تقدمت كثيراً على المستوى الدولي؛ فإن هذه الحركة ماتزال بعيدة عن معيار الحد الأدنى النظري على أقل تقدير، ناهيكم عن الطموح المنشود في البلدان العربية،فرغم مضيّ مايزيد عن ثلاثة عقود ونيف على صدور العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ فإن ثلاث عشرة دولة عربية فقط إنضمت إليه،وإثنتي عشرة دولة عربية فقط إنضمت إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وكذا الحال مع المواثيق والمعاهدات الدولية الأخرى؛ فإن إتفاقية منع التعذيب،مثلاً،لم تنضم إليها سوى سبع دول عربية، بل لم تصادق إثنتان منهما عليها! أمّا إتفاقية منع  التمييز ضد المرأة فلم تنضم إليها سوى خمس دول عربية، ولم تصادق إحداها عليها لحد الآن! هذا في الوقت الذي يعد إقرار مبدأ حقوق الإنسان كمبدأ أمراً ملزماً من مباديء القانون الدولي، الذي سلّط الأضواء على إنتهاكات حقوق الإنسان المدنية والسياسية،لاسيما الحقوق الفردية؛ فالإتحاد السوفياتي كان يتشبّث بالحقوق الجماعية، وخاصة الحقوق الإقتصادية والإجتماعية، وعقب إنهيار المعسكر الإشتراكي وتكريس النظام العالمي الجديد ضمن ترتيباته الراهنة للولايات المتحدة زعيمة بلامنازع؛ فقد أخذ موضوع حقوق الإنسان يُطرَح من زاوية جديدة وضمن أطر جديدة مختلفة، خصوصاً بإنتهاء عهد الحرب الباردة، ومعها نظام القطبية الثنائية؛ ففي (مؤتمر باريس) المنعقد في تشرين الثاني 1990 وضعت آليات جديدة لمراقبة إنتهاكات حقوق الإنسان منها: إيجاد مكتب أوربي خاص للإشراف على شرعية الإنتخابات وتحديد معالم النظام الديمقراطي التعددي لإحترام حقوق الإنسان.وفي (إتفاقية برلين)الموقعة في حزيران1991 جرى إقرار المباديء الجديدة، في إطار ميزان جديد للقوى الدولية، حيث تم هدم مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية،الذي سبق وأن أقرّه ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية، حين أكد المؤتمر على " أحقية الدول الأعضاء في التدخل لوضع حد لإنتهاكات حقوق الإنسان والقوانين الدولية" بل وذهبت الإتفاقية إلى أبعد من ذلك؛ حيث أكدت على أهمية وضرورة وضع خطة طواريء لمنع حدوث الصدام المسلح، متجاوزة على مبدأ السيادة التقليدي،الذي نظمته المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.

   ثمة اليوم قاسم مشترك أصبح أكثر وثوقاً وأشد صرامة، رغم تناقض المفاهيم وإختلال موازين القوى ،ألا وهو إزدياد الحاجة والشعور؛ لتأكيد إحترام حقوق الإنسان وإتساع نطاق العاملين في هذا الميدان والمهتمين به. ورغم المرارات والإحباطات وإستمرار المعايير المزدوجة، وخاصة بحق الشعوب والبلدان النامية؛ فإن حركة حقوق الإنسان قد أخذت في التطور، وإنعكس ذلك في إهتمام الحكومات بتشريعات حقوق الإنسان والسعي لإمتصاص النقمة وتخفيف بعض الإجراءات التعسفية، والإعلان عن إصلاحات دستورية. ولقد تجسّد ذلك في أربعة مؤتمرات دولية تمهيدية للمؤتمر العالمي،الذي إنعقد في(فيينا)هادفاً إلى الحوار بخصوص حقوق الإسان، فإبتداءً: تحديد المفاهيم وتعميق التوجهات،ثم إنه ليس بنزوة عابرة، وإنما هو حاجة وضرورة ماسة، وتزداد هذه الحاجة في البلدان العربية؛ حيث مازال البعض حتى الآن يعتقد أن حركة حقوق الإنسان هي بدعة غربية وإختراع مشبوه؛ لتحقيق مآرب سياسية.وللأسف الشديد يتناسى هؤلاء أن مفاهيم حقوق الإنسان،التي تعمقت على مر العصور، هي نتاج تطور الفكر البشري، الذي لايقتصر على قارة أو أمة أو شعب أو جماعة محدودة، بل هي مزيج من التفاعل الحضاري، ثم إن الإسلام كان قد بشّر ببعض المفاهيم الخاصة بحقوق الإنسان، وقد كانت مفاهيم متقدمة، في حين كانت أوربا يسودها عصر الإقطاع والظلام.

 وفي مقابل مفهوم العالمية، هنلك من يحاول التعكّز على الخصوصية القومية والثقافية كذريعة للتحفظ على بعض الإلتزامات الدولية بخصوص حقوق الإنسان. وإذا كانت الخصوصية مسألة ينبغي مراعاتها، لكنها لاينبغي أن تسير بإتجاه تقويض المباديء العامة لحقوق الإنسان بدعوى الخصوصية، وإنما بالعكس من ذلك؛ ينبغي أن تدعم الخصوصية المعايير العالمية،لا أن تنتقص منها، خصوصاً في القضايا الأكثر إلحاحاً وراهنية ؛ لأن الخصوصية تؤكد التنوع الإجتماعي والثقافي والديني والمذهبي والسياسي، في العقلية والتقاليد بين شعوب بلدان العالم  وثقافاتها المختلفة، لكنها لاينبغي أن تكون عقبة في طريق المعايير العالمية، أو أن تستخدم حجة للتملص من الإلتزامات الدولية،التي يفرضها ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقواعد الآمرة/ الملزمة في القانون الدولي المعاصر، وبالقدر الذي تجد فيه الخصوصية قابليتها على التناغم والتوافق والتكيّف مع العالمية والشمولية والكونية لحركة ومعايير ومباديء حقوق الإنسان، تستطيع أيضاً التعبير عن خصائص أيّ شعب أو أي أمة وتفاعلها مع ركب التطور العالمي.

  جليّ أن بعض الحكومات تتظاهر على النطاق الدولي بالإلتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان ؛ فهي توقع وتصادق على الإتفاقيات والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان ؛ بغية صرف الأنظار فعلياً عن حقوق الإنسان على المستوى الداخلي،بل لغرض الإستهلاك المحلي وتجميل صورته وذر الرماد في العيون؛ مادام التوقيع على الإتفاقيات الدولية لايلزمها بمواءمة تشريعاتها الوطنية مع العهود والمواثيق الدولية، أو أنها تمهل نفسها أطول فترة لتسويف هذه القضية والإلتفاف عليها!

 هنالك من يدعو إلى تسييس حركة حقوق الإنسان، ويرى أن مهمتها إذاما إقتصرت على الرصد وتقديم الشكاوى وملاحقة بعض القضايا المتعلقة بالإنتهاكات والتجاوزات؛ فلا جدوى ترجى منها، بصفتها حركة إصلاحية، أمّا المطلوب فهو تغيير المجتمع (ثورياً) في حين تقف الحركة على مبعدة من الإنخراط في العمل السياسي الروتيني خلال أسلوب عملها، كحركة توفيقية غيرمجدية في منظور أصحاب هذا الإتجاه، ممن يدعون إلى إقحامها وإنخراطها في مواقف سياسية ليست من إختصاصها ؛ بما يعد خروجاً على طابعها وطبيعتها، بينما لاتتخذ الحركة ضمن أسلوب عملها وتوجهاتها مواقف مسبقة إزاء هذه الحكومة أو تلك ، بل تقف مع حقوق الإنسان أينما وحيثما وكيفما خرقت أو أنتهكت أو مسّت؛ فتلك هي مهمتها، وماينبغي تحقيقه في إطار متوازن ودون تردد أو مجاملة.

 ومقابل ذلك، هنالك من يدعو لإبعاد حركة حقوق الإنسان عن السياسة؛ تحاشياً لرد فعل هذه الحكومة أو تلك أو العاملين على أرضها وعلاقاتهم، إنما الإقتصار على لغة ناعمة في النقد مشفوعة بالبروتوكولية والدبلوماسية، دون تسمية الأشياء بمسمّياتها، وعدم التوسع في عملها والإبقاء على عمل(النخبة) بما يبعدها عن الوقوع في المشكلات، وخاصة ذات الطابع السياسي ، ويساعد في الرقابة على العاملين في إطارها.

   وبين هذا وذاك ،إن كان لابد للحركة أن تتقدم ؛ فيجب أن توازن وتتوازن، فلا تتحول إلى حزب سياسي أو منظمة معارضة ؛ بل عليها أن تصوغ خطابها على نحو صريح وواضح ومبدئي؛ لكي تؤثر في جمهور واسع، ومن ثم يمكن أن تتحول إلى حركة جماهيرية، يلتف حولها أنصار ومؤيدون واعون يستطيعون بثقلهم وبما تعتمده الحركة من أساليب عمل ومرونة وحصانة؛ فرض الإعتراف بوجودها، ومن ثم الإضطرار إلى التعامل معها.

  هنالك أيضاً إختلاف بين النظرة الشمولية والنظرة الجزئية لحركة حقوق الإنسان، بينما ينبغي معاينة حقوق الإنسان على أساس شمولي ، ومن زاوية نظر شمولية ، وقد أثبتت التجربة أن التخلي عن الحقوق الفردية والمدنية والسياسية، أو إهمالها قد أفضى إلى أنظمة شمولية إستبدادية (توتاليتارية وديكتاتورية) ولم يساعد في خلق التوازن المطلوب والتنمية المنشودة، وإن إنهيار الإتحاد السوفياتي أقرب مثال على ذلك ؛ حيث ركزت الثورة الإشتراكية طوال عقود سبعة على حقوق الإنسان الجماعية ، وخاصة حق الشعوب والأمم في تقرير مصيرها ، فضلاً عن الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، كحق العمل والتعليم والضمان الإجتماعي وتوفير الفرص الثقافية للمواطنين...إلاّ أن تلك المفاهيم إصطدمت بالتجاوزات على حقوق الإنسان الفردية وحرياته الأساسية، ومن ثم لم تخلق التوازن المطلوب. وذلك ماحدث أيضاً في العديد من أنظمة التحرر الوطني، وهكذا فإن أي إهمال لأي جزء من حقوق الإنسان؛ يؤدي إلى عواقب وخيمة، وتظل العبرة بالتنفيذ طبعاً.

  وتندرج فكرة الإزدواجية والإنتقائية في المعايير،ضمن مفاهيم حقوق الإنسان وتطبيقاتها على الساحة الدولية؛ ففي الوقت الذي تطبّق المعايير الدولية بصصد إنتهاكات حقوق الإنسان والتجاوز على قواعد القانون الدولي المعاصر وميثاق الأمم المتحدة، يتم فيه غض النظر عن تجاوزات وإنتهاكات أخرى، بينما يستخدم السلاح نفسه في بلدان أخرى؛مما يعزز الإعتقاد بأن التدخل (للدفاع عن حقوق الإنسان) قد إستهدف الدفاع عن المصالح الخاصة بالدرجة الأولى، أي (الكيل بمكيالين) وبمعايير مزدوجة ؛ وإلاّ لماذا لم تطبق الموازين نفسها على حالات مماثلة؟!

 وعليه فإن الدعوة إلى إعتماد معايير دولية موحدة ،لاتلغي ولاتنتقص من الإجراءات الهادفة إلى فرض إحترام قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان، في حين ان عدم تعميم تلك المعايير؛ هو ما يلقى الإنتقاد ، ويثير التساؤل حول مصداقية النظام الدولي الجديد، حيث أن ممارسة (الكيل بمكيالين) و(الإزدواجية) في المعايير،هي إحدى أبرز الإشكاليات،التي برزت على نحو صارخ، في ظل النظام الدولي الجديد.

 إن ممارسة (الكيل بمكيالين) و(الإزدواجية) في التعامل تنسحب على قوى وجهات ودول شتّى؛ إذْ لايمكن رفض الدكتاتورية في بلد وإستهجان هدرها لحقوق الإنسان، بينما تُقبَل ويُسكَت عليها في بلد آخر، ولايمكن رفض الدعوة الرامية إلى إحترام حقوق الإنسان في بلد؛ بحجة (رفض التدخل) ومحاولات(الهيمنة) والتذرع بفكرة(السيادة) خصوصاً وأن حقوق الإنسان لم تعد قضية داخلية صرفة. ولكي يُستَبعَد التدخل الخارجي وتُصان السيادة؛ لابد من إعتماد المعايير الدولية المعترف بها لحقوق الإنسان، ومن ثم عدم إعطاء ذريعة للتدخل وتحقيق المآرب السياسية والمصالح الخاصة.

 يرى البعض أن مبدأ (السيادة) يمثل حق الدولة المطلق في التصرف في شؤونها الداخلية، وقد أخذ مفهوم السيادة،الذي سادَ في مرحلة القانون الدولي التقليدي ، ينحسر وخاصة في السنوات الأخيرة مع صعود مبدأ (ضرورة التدخل) لفرض إحترام حقوق الإنسان وحماية أرواح البشر، وهو المبدأ،الذي إعتمد كجزء من مسؤولية المجتمع الدولي، ولفرض رقابته بشأن الإنتهاكات والتجاوزات. ولقد بدأت إشكالية التوازن بين مبدأ (سيادة الدولة) ومبدأ (إحترام حقوق الإنسان) تصطدم بالواقع القائم في ظل (النظام الدولي الجديد) الذي طرح على بساط البحث النظري والعملي كيفية المواءمة بين مفهوم السيادة الوطنية والمصلحة القومية من جهة، وبين الإلتزام بمباديء حقوق الإنسان بصفتها معايير دولية آمرة وملزمة، ثم إن نقطة التوازن بين(حقوق الإنسان) و(السيادة الوطنية) تنطلق من التطور،الذي حصل في ميدان القانون الدولي ، خصوصاً المدى الذي يستطيع به فرض التدخل على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وفقاً للميثاق وفي إطار القواعد الآمرة. ولكي يتم تطبيق مبدأ (التوازن) ضمن الترتيبات الدولية ؛ تزداد الحاجة إلى إيجاد آلية معيّنة وميزان عملي موحد لقياس نوعية وحجم إنتهاكات حقوق الإنسان،التي يجوز أو لايجوز التذرع بها باعتبارات السيادة ؛ للحيلولة دون إستخدام قضية حقوق الإنسان بطريقة إنتقائية، ولاتسمح للتدخل الأجنبي باستغلالها لإعتبارات سياسية، كفرض الهيمنة وإملاء الإرادة؛ ولذا تتطلّب الضوابط والمعايير والآليات لإنتهاكات حقوق الإنسان صياغةً دقيقة من قبل الأمم المتحدة، ولقد دعت منظمة العفو الدولية إلى ذلك. وإذا كانت هنالك حساسية في التدخل؛ فإن إحترام حقوق الإنسان والمعايير الدولية يبعد شبح التدخل، ويحقق مفهوم السيادة الوطنية إلى حد كبير،ثم إن رفض التدخل والإحتجاج على خرق السيادة لن يبررا الزوغان عن الرقابة الدولية المعنية بهدر حقوق الإنسان.

 لم تعد قضية حقوق الإنسان إختياراً داخلياً فحسب، وإنما إلتزاماً دولياً وضرورة لاغنى عنها، في سبيل التكيّف مع متطلبات المتغيّرات الدولية، وإذا كانت بلدان العالم الثالث تواجه تحديات من قبيل إستمرار الإعدام خارج القضاء والتعذيب والإعتقال التعسفي والإختفاء وعدم الإقرار بحرية الفكر واعقيدة والتنظيم وممارسة العزل السياسي والتمييز ضد المرأة وهدر حقوق الأقليات والتدخل في الحياة الشخصية، وهي سمة عامة تكاد أن تكون مشتركة لأنظمة العالم الثالث؛ فإن غالبيتها مازالت تعاني من العوز والحاجة،التي تبلغ حد المجاعة أحياناً، وكذلك تعاني من الإستعمال غيرالرشيد للموارد، ومن التصحر،إضافة إلى نمو بعض مظاهر التطرف  وإنفلات العنف والإنتقام وغيرها..كما وأنها تعاني من محاولات الهيمنة والتبعية الإقتصادية، ومن بعض المظاهر الجديدة مثل إستخدام بعض الدول النامية كسلّة للمهملات والنفايات النووية، كما هي الصومال وغيرها! وكذلك إستخدام بعض أفراد العالم الثالث كفئران في تجارب البلدان المتقدمة صناعياً، بالضد من ضمان حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، بل ويجري تسويق العديد من السلع الضارة بالصحة إلى بلدان العالم الثالث، بتواطؤ بعض المتنفذين ؛ من أجل مصالحهم الأنانية، دون أي إعتبار للإنسان وحقوقه وصحته ومستقبله!

 إن إستخدام العالم الثالث كسلّة للنفايات النووية، وإقامة بعض المنشآت الخطيرة على أراضيه بدون مراعاة قواعد السلامة والصحة، ومن ثم هدر موارده وتدمير وتلويث بيئته؛ يعد جريمة ضد الإنسان من صنف الجرائم الدولية،التي تستوجب إلزام الدول والشركات والأفراد بالكف عنها، ودفع التعويضات المترتبة عليها، ثم التعهد بالإمتناع عن تصدير المواد التي تهددها، ناهيكم عن حماية المواد المشتركة، وحسبان أيّ هدر لها تفريطاً بالثروة،على نحو يقتضي المساءلة والمقاضاة.

   وهكذا نرى التحدي الذي يواجه العالم الثالث يتعلق بقدرته على التكيف مع المستجدات والمتغيرات الدولية، بالقدر الذي يحرص على حقه في التنمية، ورفض الإمتثال لسياسات إملاء الإرادة. ثم إن تحقيق المشاركة السياسية في إدارة شؤون الدولة ونبذ إحتكار العمل السياسي والمهني، وتأكيد حق الأقلية في المعارضة هو حق أصيل، مثلما هو حق الأغلبية في الحكم، والذي يتأتى عبر صندوق الإقتراع والإنتخابات الحرة الدستورية ، والإستجابة لمتطلبات العصر، باحترام حقوق الإنسان وإشاعة الحريات الديمقراطية وتأمين مستلزمات نمو المجتمع المدني.

  لكي تتقدم حركة حقوق الإنسان، وتنتقل من النخبة إلى الجماهير؛ ينبغي تتوسّل الإنفتاح والإبتعاد عن العصبوية الضيقة والإنحياز المسبق، والموازنة بين الدفاع عن حقوق الإنسان المدنية والسياسية والدفاع عن حقوقه الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وبين الحقوق الفردية والجماعية،على نحو صريح وواضح دون الوقوع في شراك الإيديولوجيات وفخاخ التجريد والمجاملات والبروتوكولية، ثم إن الدفاع عن الضحايا لايعني تبني أفكارهم أو إتجاهاتهم السياسية.وإن جهداً حقيقياً ينتظر صياغة دور جديد حضاري لحقوق الإنسان، وهو المعيار لتقدم أي أمة،أو أيّ شعب أو أي جماعة متمدنة، فالتقدم الحقيقي والرقي والإزدهار لن يتأتى بمعزل عن إحترام وحماية وتعزيز حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

وبناءً على كل ماأسلفناه؛ لابدّ من تأكيد أهمية رفع الوعي الحقوقي بقضايا حقوق الإنسان بتدريس مادة حقوق الإنسان والمعاهدات والإتفاقيات الدولية، في الجامعات والمعاهد، ومن خلال النشر والإعلام، وتأكيد مسألة مشاركة المرأة ومساواتها مع الرجل.