الكُرد في الثقافة العراقية: السياسات والتخييلات

حسن ناظم
Jan 7, 2018

حسن ناظم*

عاشتِ الثقافةُ الكُردية في البرزخ المهلك لكلّ ثقافة منظوراً إليها من الآخر. وكانت ذروةُ التعامل السياسي مع هذه الثقافة قد بيّنت العجز الصارخ عن إدراجها ضمن الثقافة الوطنية بالعراق؛ لأن الثقافة الوطنية، المزمع دائماً تأسيسُها، كانت عربية. وفي الآن نفسه، لم يكن من الممكن وصفُ الثقافة الكُردية بأنها ثقافة الآخر الغريب، الآخر المحض، فهذا الغريب اللسان هو في صلب الوطن وليس الوطنية، في صلبه بأبعاد سياسية واجتماعية ودينية واقتصادية. فهو ليس أجنبياً، ولا هو عربيّ، لقد تورّط بالبرزخ المهلك، وظلّ فيه، وما خلاصُه من هذا البرزخ إلاّ بأحد أمريْن: الأول دمجه في "الثقافة الوطنية"، غير الموجودة، ولا علائمَ لتأسيسها بادية، والثاني انفصاله وتأسيس بنيته المستقلة التي تضمن اعتبار ثقافته ثقافة خاصة، ثقافة تدعو إلى "التثاقف".

أيُّ سؤال إذن أوجهُ بالإثارة: هل الثقافة الكُردية مغيّبة؟ أم هل هناك ثقافة كُردية أصلاً؟ بدا السؤال الأخير "ساذجاً واستفزازياً" حين طرحه من يحاول أن يوصّف وضع الثقافة الكُردية[1]، لكنه كان يشير، في العمق، إلى حرمان الكُرد من إمكان البناء الثقافي في أطرٍ وهياكلَ مادية؛ باختصار، حرمانه من الدولة. وإذا ما بدا ثمة تحقيق ثقافي معين للكُرد، فإنه يتماهى بالمركز الحضاري الذي يحضن الكُرد بشراً وثقافةً، وفحوى هذا أن أيّ حركة ثقافية تاريخية كُردية كان، وسيكون، مصيرُها الذوبان في المركز الحضاري المجاور ذي الدولة، ما لم تتحقق للكُرد دولة تحضن ثقافتهم.[2]

في موضوعةٍ ثقافيةٍ مثلِ هذه، موضوعةِ حضورِ الثقافة الكُردية في الثقافة العراقية، ثمة اشتباكٌ لا فكاكَ منه مع السياسيّ بالدرجة الأولى، واللغويّ المتمخّض عن السياسي، في الأخير، في قوانينَ وتشريعاتٍ واتفاقيات، وأشعار وروايات. ولقد كانت الكتابةُ عن القضايا الإثنية والمذهبية ممنوعةً بإطلاق في أيام الدكتاتورية، بما أن النظرَ إليها كان منحصراً في أنها مشروعٌ مضادّ لبناء الهوية الوطنية. لكن منعَ مناقشةِ مثلِ هذه القضايا الأساسية أثبت سُقْمَ هذا المنظور، حين لم يحقق القسرُ وقمعُ حرية التفكير سوى المزيد من تفتيتِ الهوية الوطنية التي ادُّعي بناؤها على مدى عقود منذ لحظة تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921.

كان الغيابُ الكبير تقريباً للثقافة الكُردية في مشهد الثقافة العربية العراقية الحديثة يؤشر فشليْن اثنيْن: الأول يتعلق بالثقافة العربية الرسمية في العراق في التعامل مع مجتمع متعدّد الأعراق والتقاليد والثقافات، وفي التعامل مع حقوق الأقليات. ولعل مشهدَ المفارقة يتّسع حين تكشف مقارنة بسيطة ضآلةَ "التثاقف" المحليّ، بين الثقافات العراقية المتعددة (بين العرب والكُرد والتركمان) أمام سَعَةِ "التثاقف" الخارجي مع الغرب الذي كان على أشدّه في مجالات عديدة شعراً وروايةً ونظريات من صنوف شتى، ولم يكن من مجال واسع للتثاقف مع الكُرد، مهما كان حجمُه أو امتيازُه أو أهميتُه. أما الفشلُ الثاني فيتعلق بالثقافة الكُردية نفسها التي كانت وما زالت تنوء بثقل مسؤولية كبيرة تضعُ على عاتقها قسطاً وافراً من الإخفاق في بلورةِ صيغةِ وحدةٍ تصوّريةٍ وتطبيقيةٍ لأوضاعها في منطقة مثقلة بالتصورات القومية المعتدلة والمتطرفة. ولذا فإن "ضعف التكامل الذاتي"، و"انفصام القومية والدولة"، و"تجزئة الكُرد في دول"، ووجودهم "بين قوى قومية ودولتية (فارسية وعربية وتركية) لها تاريخها السياسي والثقافي الكبير"، وغير ذلك من العوامل، هي التي خلقت الظروف التي حالت دون التواصل الإيجابي.[3]

مع ذلك، ليس بواردٍ في ثنايا هذا البحث أن يتّخذ من تحديد أسباب الإخفاق مركباً لإلقاء الملامة واستقامتها مهمة له، بل مهمّته الكشف عن التوازيات غير المرئية بين السياسي والثقافي، واعيةً وغيرَ واعية. وأمام الوجود الجغرافي لكردستان في العراق، ثمة وجود ثقافي فيه أيضاً، ولكن ما حجمُه وطبيعتُه؟ فالجغرافية السياسية حين ترسم هذا الوجود، الجميل طبيعةً، ترسم معه الوجود الثقافي ناقصاً أو مطموساً أو مشوّهاً، بحسب هذه الحقبة السياسية أو تلك. إن آثار السياسات تظهر في الثقافة ببطء شديد، لكنها ما أن تظهر حتى ترسب في القاع، ولا يعود بالإمكان تغييرها بيُسر. وقد كان حضور الكُرد وبيئتهم في الثقافة العراقية محكوماً بالسياسات التي ظلّت لعقود طويلة تمارس التهميش والتغييب سياسياً، فانعكس هذا على الثقافة التي مارست بوعي أو بدونه التهميش نفسه والتغييب نفسه. فكان أن شحُب الكُرد في الثقافة شحوبهم في السياسة، ولم يحضروا حتى في فنون الأدب الذي لا مفرّ له من الانخراط في قضايا المجتمع، مثل الرواية والشعر، مع استثناءات سنأتي على ذكرها في أثناء البحث.

بدلاً من أن تلجأ ثقافةُ السلطة، ذات الطابع العربي القومي، إلى خلق مجال حيويّ للثقافات المتعددة غير العربية تزدهر فيه الخصوصية الثقافية الكُردية وأيّ ثقافة أخرى غير عربية، لجأت، إلى قمعها وتغييبها بالعنف الفعلي والرمزي. فعمدت إلى خلق سياسات تذويب الهوية الثقافية التي اعتمدت على عملية تفتيت المجتمع الكُردي وتهجيره، ولكن ماذا كان مآل هذه السياسة الثقافية تجاه الثقافات غير العربية؟ كان المآل اتجاهها نحو مزيد من التعصّب المضاد للعرق، وهكذا نشأت ثقافة وسياسة كُرديتان تقاومان أيّ دمج باعتباره محض لعبة تتقنّع بالدمج وتستهدف الإلغاء، وتتستّر بالوطن الواحد وتُخفي تذويب الجماعات المختلفة في مصهر عربي قومي تأبى هذه الجماعاتُ الانصهارَ فيه، فكان العنف والقمع والإلغاء العلنيّ هي الحلول التي انتهت إليها تلك السياسات، وكان أن اختفت أيّ محاولة لحضور الثقافة الكُردية حضوراً فاعلاً في الثقافة العراقية هي النتيجة المأساوية لثقافة عراقية ظلّت تتقو­­قع في لغة واحدة وتصورات واحدة وأيديولوجيا واحدة، حتى تماهتْ في آخر منزلقها التدريجي الفظيع مع قائد أوحد.

وكردّ فعل أمام انتشار وتصارع القوى القومية في المنطقة، كان من الطبيعي أن تتفشّى نزعة قوية كُردية متصلّبة متعصّبة هي جزاءٌ وفاقٌ للتيارات القومية التي تحاول إلغاءَها وتدميرَها. وقد سلّطت بعضُ البحوث الضوء على هذه المسألة متبنّيةً فكرة أن النزعة القومية الكُردية، مقارنةً بالنزعة القومية لجيرانهم المباشرين في البلدان العربية وتركيا وإيران، كانت قد خضعت لتحجيم وتقسيم واضحيْن. فضلاً عن ذلك، فإنها تطوّرت في القرن العشرين باعتبارها ردّ فعلٍ لقومية بلا دولة ضدّ قوميات ذات دول قمعية في العراق وسوريا وتركيا وإيران.[4]

لقد امتاز الخطاب السياسي بتسلّله إلى جميع الخطابات التي تعالج قضية شائكة مثل قضية اللغة الكُردية. غير أن لهذه المسألة تاريخاً تجدر الإشارة إليه والتنويه به لاستغوار مراميه النائمة ألغاماً في طريق شائك أصلاً. ففي أيام الملكية، بعد قرار الحكومة العراقية "جعل اللغة الكُردية اللغة الرسمية في المدن والقرى الكُردية"[5] صار على وزارة المعارف التكفّل بتطبيق هذا القرار. وبعد مناقشاتٍ وتدابيرَ قادها ساطع الحصري (1879-1968)، مدير المعارف آنذاك، ألّفت لجنة تتخذ على عاتقها ترجمة مقررات الدراسة للمرحلة الابتدائية، دون المرحلة الثانوية والمرحلة الجامعية. ولم تكن تلك المناقشات يسيرة، بل شملها التعصّب والتعصّب المقابل بين ساطع الحصري، المعروف بنزعته المناوئة للكُرد والشيعة، وممثّلي الكُرد، لاسيما وزير المواصلات آنذاك، السياسي والمؤرخ الكُردي المشهور، محمد أمين زكي (1880-1958)، المعروف بنشاطه السياسي في الدفاع عن القضية الكُردية.[6] لعل السلطة، وهي تضع تشريعات الحقوق اللغوية، تدرك تمام الإدراك أن تشتيت الوحدة اللغوية للمجتمع الكُردي هو المطلب الذي ييسّر الخضوع، فالتشتّت اللغوي عائق أمام إدراك أيّ أمّة خصوصيتها وهويتها، وقد حدث هذا مع العرب أنفسهم في المغرب العربي أيّام الاحتلال الفرنسي، ومن شيمة النزعة القومية أن تعود لممارسة ما عانت منه ضدّ قوميات أخرى مثل القومية الكُردية في العراق وتركيا وغيرها.[7]

كانت السياسة اللغوية، إجمالاً، أيام الحكم الملكي، سياسة روغان أيضاً عن تطبيق اتفاقات أُبرمت في العام 1926 وأُقرّت من عصبة الأمم، تتعلق بحقوق الكُرد، ومن بينها وضعهم اللغوي. وقد فصّلت هذا الوضعَ الوثيقة المهمة التي قدّمها محمد أمين زكي للملك فيصل الأول في العام 1930 مذكّراً فيها بعدم تطبيق الاتفاقات المبرمة، ومنها اتفاقات تخصّ وضع اللغة الكُردية في بعض المناطق التي توجد فيها أغلبية كُردية.[8]

أما أول حقبة يُجرى فيها تمثيلُ الكُرد في تاريخ العراق الحديث فكانت حقبة عبد الكريم قاسم (1958-1963). فالدستور المؤقت، الذي صِيغ في أعقاب ثورة 1958[9]، نصّ بوضوح، عبر مادتين اثنتيْن تقرّان بحقوق الكُرد، على أن العرب والكُرد شركاء في الدولة العراقية.[10] لكن هذا الوضع لم يدم طويلاً، وتفتّت سريعاً أيضاً، والدستور المؤقت يمكن أن يحلّ محلَّه دستور مؤقت آخرُ في عملية استبدال للدساتير أحالها لعبة رثّة. وسرعان ما بلغ المنظور الضيّق أقصاه في عزل الكُرد في "دستور مؤقت" آخرَ جاء مع سلطة البعث، فزاد تعقيد المسألة وصار الآخر يمعن في آخريته، مادام يرى تذويبه ماثلاً أمامه بالنصّ الذي سرعان ما سيتبعه الفعل.[11]

يصف التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث، في كانون الثاني من العام 1974، وثيقة بيان 11 آذار 1970 بأنه "نقطة تحوّل تاريخية"[12] في نضال الجماهير الكُردية، وبأنه "الصيغة الصائبة والمتكاملة من النواحي النظرية والسياسية والعملية"[13]، ويأتي التقرير على تقييم لجوانب عديدة تخصّ حياة الكُرد مثل أعمال الأحزاب الكُردية القومية وسياساتها، والقتال في الماضي القريب، والحياة الاقتصادية للكُرد بما فيها من إنتاج زراعي وصناعي وتجاري، ومشاريع إروائية وسياحية،[14] غير أنه لا يتطرّق إلى ذكر أيّ شيء فيما يتعلق بقضايا الثقافة واللغة الكُرديتين. لكن أصل قانون الحكم الذاتي لمنطقة كُردستان، أي البيان الصادر في 11 آذار 1974، تناول الحقوق القومية والثقافية للكُرد بما في ذلك الإقرار بأن تكون اللغة الكُردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.[15] ويجدر التنويه بأن هناك قراراً صدر في العام نفسه، 1974، سبق هذا البيان بستة أسابيع تقريباً، وبدا أنه يمنح التركمان الحقوق القومية والثقافية والتعلمية، وهو القرار رقم 89 في 24 كانون الثاني 1970، المتألف من سبع فقرات فقط[16]، وهذا القرار، شأنه شأن بيان آذار بالنسبة للكُرد، لم يُطبّق وجرى إفشاله بِيَدِ مِنْ سنّه أصلاً، فقد أُجهض مبكّراً بإقامة العثرات في طريق تطبيقه.[17]

ومع السياسات التي اتبعتْها حكومة البعث، وباعتبار النتائج التي آلت إليها، يمكن الآن النظر إلى بيان 11 آذار على أنه "زعم نصّي" محض، فقد ادّعى البعث الانفتاح في السياسة تجاه الكُرد، وضمنها السياسة الثقافية واللغوية، وسنرى ذلك نظرياً في بيان 11 آذار عام 1971، لكن تلك الاتفاقية كانت بمثابة كسب للوقت من أجل إبرام اتفاقية أخرى تُلغيها، مع إيران هذه المرة في 6 آذار 1975، فكان أن أودت اتفاقية الجزائر ببيان 11 آذار، ومهّدت الطريق للبعث من أجل تهيئة قضاء مبرم على الحركة الكُردية، فكانت هذه الاتفاقية من وجه النظر الكُردية دليلاً على "عنصرية النظام وشوفينيته"، وقبولاً بالتنازل أمام مشروع إيران والتخلّي لهم عن نصف شط العرب "مقابل القضاء على النضال المشروع للشعب الكُردي"، وكانت دليلاً على أن "أمريكا وحلفاءها" يمكن أن يدفعوا أيّ ثمن "عسكري وسياسي واقتصادي" لتأمين المصلحة، وبالجملة، كانت الاتفاقية بالنسبة للكُرد بمثابة "غدر تاريخي".[18]

لم يكن بيان 11 آذار ولا القرار 89 وثيقتين منظّمتين للعلاقة بين الإثنيات في العراق، وثيقة اتفاق تبرمها الدولة لتأسيس حقوق الإثنيات غير العربية في العراق، ولم تكونا أصلاً نابعتين من أرض صارت خصبة ومواتية لتحقيق مثل هذا الهدف التاريخي، بل كانتا إجراءيْن مؤقتين ريثما تحين فرصة الانقضاض على كلّ إنثية في العراق، وأبرزها الكُردية، كانتا تربّصيْن بمصير الإثنيات، وليس من حاجة ملحّة للتدليل على صحّة ما يبدو أنه فرض هنا، فمآل البيان والقرار إلى هواء في شبك وقبض ريح دليل دامغ. فالمآل الدموي أجهز على النزعة الزائفة للتثقاف مع الكُرد المبرمة في العام 1971، وبدلاً من مدّ جذور للمعرفة معهم، اقتُلعت تلك الجذور في العام 1975 مع اتفاقية الجزائر بيع العراق وإيران، وحلّت أخيراً محلّها الإبادة نهجاً في العام 1988. لكن الدليل كان جليّاً حتى قبل أن يفشل مشروع بيان 11 آذار برمته، وقبل أن يكون قرار 89 مجردَ حبرٍ على ورق، إذ ليس من الممكن لأيديولوجية البعث التي ترى في العراق إثنية واحدة وتمذهباً واحداً أن تستوعب بقية الإثنيات، والمذاهب، فالنظرة الواحدية لا تؤمن أصلاً بالتعدّد. ولقد امتازت وعود الساسة العراقيين إبّان حقبة البعث بكونها وعوداً تكتيكية لكسب الوقت.

كان أماتزيا بارام Amatzia Baram في كتابه الثقافة والتاريخ والأيديولوجيا في تشكيل العراق في حقبة البعث (1968-1989) Culture, History and Ideology in the Formation of Ba‘thist Iraq, 1968-89، قد نبّه على معنى الأيديولوجيا الذي يوصّف العراق في أثناء حكم البعث، مفيداً من تعريفات غليفرد غيرتز Clifford Geertz للأيديولوجيا، باعتبارها "مجموعة من الاقتراحات السياسية ... ذات الممارسة العقلية إلى حدّ ما".[19] وهذا يضفي على هذه الممارسة السياسية التي تستعمل العقل طابعاً براغماتياً غايتُه الهيمنة عبر المشروع الأيديولوجي بدلاً من الارتكاز على نظرة شاملة للعالم وتفسير محيط بالتاريخ. كلّ ما يتمّ إنتاجه على وفق هذا المعنى للأيديولوجيا يكون ذا معنى أيديولوجي سياسيّ مهيمن، أو يخطّط للهيمنة، أكثر من أيّ شيء آخر. ومن هذا المنظور سيكون معنى بيان 11 آذار، في سياق هذا البحث، محاولة سياسية ناعمة ترتقب لحظة مواتية للتحول إلى عنف إقصائي باتّ. وهو ما حدث في نيسان 1974 عندما شنّت حكومة البعث هجوماً على الكُرد، وكما أسلفتُ، جاءت اتفاقية الجزائر في العام 1975 بين العراق وإيران لتسحق الحركة الكُردية. عند انكشاف المعنى الحقيقي لكلّ محاولة من سلطة البعث لدمج الكُرد في العراق، يتمّ التخلّي عن أيديولوجيا الدمج، لأنها كانت مجرد وسيلة لتحقيق غاية، وما أن تفشل حتى تُهجَر وتُرمى كأسمال بالية. وبعد محاولة البيان في  العام 1971، وما تبعه من حرب العام 1974، لم يكن الإهمال مصير البيان فقط، بل جرى التخلّي، وهذا ما شدّد عليه بارام في أطروحته، عن محاولة إحياة التراث الرافديني لمحاولة دمج الكُرد في العراق. "فالمكوّن الرافديني ... الذي قُدّم في العام 1969، صُمّم، على المستوى الأيديولوجي، لتحقيق مطالب الكُرد في المساواة بالعرب في وطنهم المشترك، لأنه طرح تاريخ العراق القديم تاريخاً مشتركاً للعرب والكُرد سواء بسواء".[20] وفي الوقت الذي يرى بارام في إحياء الأسطورة التاريخية عن التراث الرافديني أيديولوجيا موحّدة لمكونات الشعب العراقي[21]، كانت نتائج هذه الأيديولوجيا مشتّتة لمكونات الشعب العراقي لاسيما الكُرد. فهم، في النهاية، طُردوا رمزياً من جنّة الأسطورة الرافدينية بعد معارك العام 1974، وبعد عشر سنوات من طردهم الرمزي، طردهم البعث فعلياً من قُراهم في شمال العراق.[22]

إن العودة إلى ذلك التراث البعيد لحضارة وادي الرافدين كانت وسيلة هيمنة تستعملها السلطة لتتيح شيئاً من المجال الضيّق لمكوّنات غير عربية أن تعيش في عراق أريد له، على وفق أسس أيديولوجية، أن يكون عربياً فقط. كان هذا التكتيك وسيلة للتمويه على ثنائية العربي والكُردي بالذهاب إلى تراثٍ سابق على العرب والكُرد معاً. يستوطن هذا التكتيكَ الثقافيَّ عجزٌ عن مواجهة مسألة التنوّع الثقافيّ وإيجاد حلّها الناجع، إنه عجز عن إدراك الاختلاف والاعتراف به. وكان محكوماً منذ البدء على مثل هذه المحاولة بالفشل التامّ، مادامت محاولة في التمويه والزيف، والالتفاف على خصوصية الثقافتين، محاولة في إقناع بشر لم يبق من تراثهم البعيد سوى أمشاج بسيطة خفيّة مع بضع كلمات هنا وهناك، بشر بينهم روابط هوية أقوى من تلك البعيدة في الزمان والمنال. لكن هذا الفشل في المشروع الثقافي أدّى إلى الفشل الأكبر الذي توّج البعث به محاولته: رفع السلاح والقتل والإبادة.

لم تكن هذه المحاولة الفاشلة والعنف الذي تبعها سوى حلقة في سلسلة مديدة من المواجهات مع الكُرد. فمثلما فشل إمكان الاتفاق إبّان الحكم الملكي، وانتهى مطافُ تلك المرحلة إلى العنف، فشل إمكان الاتفاق إبّان الحكم الجمهوري وانتهى مطافُه إلى العنف أيضاً. ولهذا التدبير الذي يبدو مبيّتاً جذور تمتدّ إلى طبيعة تأسيس الدولة العراقية الحديثة. ويرى بعضهم أن جذوراً أبعد تمتدّ إلى تحوّل الإمبراطورية العثمانية إلى المفهوم الألماني للقومية الذي يقيم الروح القومية على أسس لغوية وتاريخية وثقافية مشتركة، بدلاً من المفهوم الفرنسي والبريطاني الذي يقيمها على أسس دستورية تكفل حريات الأفراد والجماعات. وهذا الفهم يرى أن هذا النزوع وجد استجابة متحمّسة لدى العراقيين الذين تعلّموا وعملوا في الجيش العثماني، وانخرطوا أخيراً في الثورة العربية، وجاؤوا إلى العراق مع فيصل الأول عند تأسيس الدولة العراقية. تلك هي أطروحة، في الواقع، ريفا سبكتر سيمون  Reeva Spector Simon، في كتاب العراق بين الحربين العالميتين: الأصول العسكرية للطغيان (2004)،  التي كشف حُبكتَها فلاح رحيم، من بين حُبكات أخرى، لنصل إلى نتيجة قاطعة مفادها أن "ما تأسّس خلال العقدين الأولين من تأسيس الدولة العراقية هو نزعة عربية قومية وجّهت همَّها إلى إحياء أمجاد العرب وجعلت هدفها توحيدهم في دولة قومية كبيرة كما تحقق للألمان. وهو عامل عظيم الأهمية بالنسبة لها في تفسير استهانة السياسيين العراقيين الأوائل، شأنهم شأن ورثتهم خلال حقب الديكتاتوريات الجمهورية، ببناء مؤسسات تكرّس حريات الأفراد بمعزل عن هوياتهم القومية أو الطائفية".[23] لقد عجزت الحكومات المتعاقبة، ملكية وجمهورية، عن التعامل مع الكُرد قضيةً وثقافةً، وهو عجز استمرّ سارياً من الملكية عبر عبد الكريم قاسم، وصولاً إلى حكم البعث حتى 2003. وكان التأزّم السياسي هو المسؤول أساساً عن التأزّم الثقافي وعن غياب الثقافة الكُردية في المشهد الثقافي العراقي. وبكلمة فإنه كلّما تقلّص حجم المشاركة السياسية الراهنة لمجموعة بشرية مختلفة إثنياً تقلّص معها حضورُها الثقافي الراهن.

 

***

 

التثاقف: الترجمة والمنتخبات الشعرية

حتى الستينيات، كانت ما تزال ثمة مشكلة حتى في الإقرار بوجود "مشكلة كُردية" في الواقع، يقول الشاعر نعمان ماهر الكنعاني في كتابه "ضوء على شمال العراق": "والمشكلة الكردية في شمال العراق لا وجود لها في الواقع، ولا يمكن أن يكون لها وجود قطّ. إذا اعترف الكردي بالمواطنة العراقية وبما له من حقوق وما عليه من واجبات".[24] وكان تعبير "المشكلة الكُردية" يُردَف بتعبير "إن صحّت التسمية"، تماماً مثلما يُردَف تعبير "الوطنية الكُردية" بتعبير "إذا صحّت التسمية".[25] كانت الثقافة تنقل المشكلة الكُردية من كاهل السلطة ومسؤوليتها إلى كاهل البيت الكُردي الداخلي الذي يدور فيه تنافس مرير على الزعامة، وهكذا وبيُسْرٍ تنسلّ جهةُ السلطةُ من المشكلة في عين المثقف-الشاعر، لتتحمّلها جهة أخرى. والآن، لو تأمّلنا هذه الموضوعة عبر النتاج الثقافي البحت وتجلياته في الشعر والرواية والترجمة وغير ذلك، وفحصنا صورتها المنعكسة في أنماط خاصة من الفنون الأدبية التي تقترب من المجتمع ومشكلاته بمقدار اقترابها من الفنّ نزعةً متأصلة فيها، لوجدنا أن علاقة الثقافتيْن محكومة بالسياسي، كما نوّهنا فيما سبق. تتحدّد أيّ محاولة للاعتراف باللحمة القدرية بين الثقافة العربية والثقافة الكُردية بطبيعة تسويغ ضرورة هذه اللحمة، والعمل على تعزيزها. فالتشكل التاريخي للعلاقة بين الثقافتين لا يتحدّد بيُسر ووضوح، في خضمّ نوازع متعصبة في اتجاه القوميات التي انتشرت في المنطقة في حقبة ما بعد الاستعمار، لقد تعرّض إطار التشكّل التاريخي للثقافتين لأعنف هزّة في تاريخ هذه العلاقة في السنوات التي أعقبت استلام البعث للسلطة بالعراق.

على مستوى التبادل اللغوي، وبعد أن استُكمل مشهد الانقطاع بتراجع اللغة العربية بين الأجيال الجديدة من الشعب الكُردي، بعد هذا الانقطاع اللغوي، نرى أن مشروعات الترجمة من الكُردية إلى العربية وبالعكس ما زالت مشروعات حييّة. كانت الترجمات القليلة المتناثرة غيرَ فاعلة قبل العام 2003، فلا الدولة رعتْها لأسباب أيديولوجية، فالترجمة هنا تعارض التوجهات التي خطّطتْها، ولا المترجمون الأفراد من الكُرد والعرب عنوا عناية قصدية بمثل هذه المشاريع. أما المسحُ السطحي للتثاقف عبر الترجمة بعد العام 2003 فمهما بلغ مقداره وازداد الاهتمام به من الطرفين فإنه ما يزال قاصراً عن ردم الهوّة الثقافية بين الثقافتين، وعن تعويض تقطّع الصلات بإقامة المزيد منها. وإذا مثّل صدور كتاب "أرواح في العراق: أنطولوجيا الشعر الكُردي الحديث" إسهامة مهمة في نقل الشعر الكُردي إلى اللغة العربية بترجمة ممتازة ومقدمة عن الشعرية الكُردية والحداثة قام بها الأستاذ عبد الله طاهر البرزنجي مع استهلال كتبه الناقد علي الفوّاز[26]، ومشاريع أخرى في الترجمة من الكُردية إلى العربية، مع ما تقوم به مجلات كُردية من تخصيص أعداد لترجمة الأدب الكُردي إلى العربية، مثل مجلة سردم، فإن على الجانب الآخر ضعفاً بادياً في تكريس جهد واضح للترجمة. وقد لاحظتُ في آخر المنتخبات الشعرية الصادرة في العراق أن هناك إغفالاً فادحاً للشعر الكُردي فيها. وبدقة، ففي آخر مختارات شعرية عربية للشعر العراقي منذ السبعينيات ـ وهي مختارات تربو على 550 صفحة، صدرت في العام الحالي (2013) وقام بتحريرها الشاعر والمترجم سهيل نجم ـ في هذه المختارات، لا توجد للشعر الكُردي وللشعراء الكُرد سوى سبع قصائد مترجمة عن الكُردية لشاعريْن اثنيْن، تحتلّ ثماني صفحات.[27] لذلك لم يكن ثمة وعي بدور المنتخبات الشعرية في مفهوم بناء الأدب العراقي بكلّ لغاته. وفي الشعر العراقي المكتوب بالعربية، إذا استثنينا موقف الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري وأشعاره المعروفة في القضية الكُردية، لم أعثر على وفرة من الشعراء يخصّصون أقساماً من مجموعاتهم الشعرية لتناول موضوعات ذات صلة بالكُرد، ومؤخراً طالعتُ الشاعر عواد ناصر يخصّص قسماً من مجموعته الشعرية "أحاديث المارّة" لكتابة قصائد عن تجربته في كُردستان، ويبدو أنه لو لم يكن "نصيراً في صفوف الحزب الشيوعي العراقي بين عامي 1980-1983" لما تسنّى له تخصيص هذا القسم الشعري عن الجبل الكُردي.[28] والوضع نفسه ينطبق على الأشعار التي ضمّنها يوسف أبو الفوز في كتابه "تضاريس الأيام في دفاتر نصير"[29] الذي هو، كما سيرد لاحقاً، كتاب يوميات عن الكفاح المسلّح للأنصار الشيوعيين في كُردستان. ولنزدْ ذلك بالقول الصريح إن المعتمد الأدبي العراقي literary canon لا يحفل بالشعر الكُردي وترجمته، لأنه معتمد أدبي عربيّ في الأساس، يمارس سيادتَه على بقية الآداب في العراق كُردية وتركمانية وغيرهما. ومن هنا ثمة توازٍ، لا تداخل، بين آداب الشعوب غير العربية في العراق والشكل الذي تتخذه في حضورها ووجودها في العراق. وأرى أن انزواء الأدب الكُردي خاصة عن الأدب العراقي عامة تجلٍّ لانزواء الشعب الكُردي عن الوطن العراقي. مع ذلك، أظنّ أن التثاقف العربي الكُردي ما زال لم يستثمر بعدُ هذه اللحظة التاريخية التي يُعاد فيها تصميم كلّ شيء من جديد، في مجال السياسة والثقافة سواء بسواء. وفي لحظة إعادة التشكيل هذه، يمكن التفكير في طبيعة تشكيل المعتمد الأدبي الذي تحكّمت فيه عوامل أدبية وغير أدبية لوقت طويل، ويمكن أيضاً إعادة استثمار اللحظة التاريخية الجديدة لتأسيس منتخبات شعرية جديدة، منتخبات جامعة.

 

***

 

الكُرد في الأدب العربي العراقي

والآن كيف يبدو الحضورُ الكُردي في الأدب العربي العراقي؟ إن كُردستان في ذاكرة الإنسان العراقي منطقةُ احترابٍ مرير، وأزمة بلا نهاية، وقد ظلّت هذه الصورةُ راسخةً في المخيال العربي العراقي على الرغم من محاولةِ حكومةِ البعث بثّ صورةِ كُردستان كمصيفٍ للسياحة ومرابعَ لأعيادٍ واحتفالاتٍ ذاتِ ألوان زاهية. هذه المحاولةُ لم تستطع إلغاءَ مشاهدِ الجثثِ المنحدرة من كُردستان في حروب متعاقبة في المنطقة. أما صورةُ كُردستان في الأدب فلا تكاد تبينُ لشحوبها الشديد، ولولا بعضُ الروائيين العراقيين الذين كرّسوا مؤخّراً روايات تحكي قصصَ هذه المنطقةِ وناسِها جزئياً أو كلياً لما استطعنا تلمّسَ حضورِ هذه المنطقة المأزومة لعقود طويلة في الأدب بشكل واضح. وهؤلاء الروائيون هم في الواقع من الذين عاشوا في كُردستان حقبة من الزمن، في الثمانينيات، مناضلين مع الكُرد ضد الدكتاتورية، وأغلبهم من "الأنصار" الشيوعيين، أو من الذين لم يجدوا غير كُردستان طريقاً للمنافي.

قبل هؤلاء، من النادر أن نجد حضوراً لشخصية كُردية أو بيئة كُردية في الروايات العديدة التي أُنتجت في عقود سابقة. وباستثناء رواية "شقة في شارع أبي نؤاس" (صدرت في العام 1972) لبرهان الخطيب، وكانت تنطوي على حضور واضح للكُرد على مستوى الشخصية، فهي تتحدث عن فتاة كُردية كانت في زيارة لبغداد وتقيم في شقة بشارع أبي نؤاس أيام انقلاب 8 شباط 1963، يتمّ اقتحام الشقة وتُغتصَب الفتاة، وكذلك رواية "مدن فاضلة" (صدرت في العام 1984) لزهير الجزائري، وهي عن النضال المسلّح للأنصار الشيوعيين والكُرد في كُردستان، يصعب تلمّس مشهد كامل ومعزّز يُظهر وجود الكُرد في الرواية العراقية. يمكن أيضاً الحديث عن رواية "الجحيم المقدس" (كُتبت 1987، ونُشرت 2012) لبرهان شاوي كرواية مكرّسة لمنطقة كُردستان وناسها، وكانت من الروايات المبكرة. ففي الـ"إشارة" التي كتبها المؤلف، يذكر أنه كتب عملَه هذا في العام 1987 حين حصل على مِنحة الكاتب الألماني هاينريش بول المخصصة للكتّاب الأجانب اللاجئين في المنفى.[30] تجري أحداث رواية "الجحيم المقدس" في كُردستان أصلاً، فتتناولُ مأساة الكُرد قبيل حملات الأنفال. هذه الرواية يتجلّى فيها حضور كُرديّ مطلق يعالج القضية الكُردية وعالم الكُرد، وبُنيت على أساس تكوين مشاهد درامية سينمائية كما يشير المؤلف، وهي تصوّر معاناة الكُرد من سوء المعاملة من الجيش، وحياتهم تحت وطأة الدكتاتورية ومعاملتهم في قُرى متعبة يجثم على صدرها جيش قاس، وتقع فيها حوادث قتل وتحقير في نصّ مجزّأ إلى نصوص قصيرة، برقية، لمّاحة، تترك "المشاهد" أمام شريط نصّي.

وهذا الوضع يؤشّر تسلّل الإشكال السياسي إلى الآداب، فنعثر على تماثل بين السياسي والثقافي، بوعي أو بدونه. فالسياسي الذي يقمع حضور موضوع ما، يظهر هذا القمعُ في الأدب استجابة لاواعية للشروط التي يفرضها السياسي. قد يبدو تعبير "الرواية العربية العراقية" على قدر كبير من الغرابة واللامألوفية في هذا السياق، إذ لم يكن من المألوف التفكير في رواية غير عربية في العراق، وما كان من الطبيعي أن تكون رواية غير عربية في العراق، فالمعتمد الأدبي في العراق معتمد عربي فقط، كما أسلفتُ. ولئن تجد الرواية فنّاً أساسَها الموضوعاتيّ في حركة المجتمعات، فإن نزوعَها إلى جانب دون آخرَ من حشد الموضوعات التي يُبرزها المجتمع أمام الرواية يحدّد أولوياتِ الحقبة، ومزاجَ المجتمع، وحدودَ موضوعاتِ فنّ الرواية نفسه. بل يحدّد أيضاً الممنوعات والقيود المفروضة على فنّ الرواية في مجتمعات تهبطُ حركيّتَها بالقمع والدكتاتورية. فمقدار حضور موضوعة معينة في الرواية تتساوق مع الأحداث المفصلية التي تمرّ في تاريخ مجتمع ما، هذا الحضور يؤشّر أهمية الموضوعة، وتأثيرها في تاريخ المجتمع، في سلمه وحربه، وعاداته وتقاليده، أخلاقه وبيئته. وعادة ما تستدعي الأحداثُ الجسام، ومنعطفاتُ التاريخ، أعمالاً أدبية تنشغل بها، لتصوغ عبرها تاريخاً أدبياً للمرحلة، وتقف الروايات هنا أبرز شاهد فنّي على المنعطفات التاريخية للمجتمعات. وفي ضوء ذلك، يثار السؤال الآتي: ما حجم حضور الكُرد وقضاياهم السياسية والثقافية واللغوية في الرواية العراقية؟

في الحقيقة، ليس من اليسير تحديدُ هذا الحضور بدقة كبيرة، دون عودة كاملة إلى الروايات العربية العراقية، وفحص مقدار حضور الكُرد فيها وطبيعة ذلك الحضور. وتلك مهمّة قد تبدو عسيرة، لكن محاولة تقديم إجابة منصفة تبقى أمراً ممكناً في ظلّ معطيات متاحة، ومتابعات للكثير من الروايات العراقية المكتوبة من روائيين كانت لهم صلات بالكُرد بطريقة أو بأخرى، لا سيما في جيل الروائيين العراقيين الذي نوّهتُ به سابقاً، الجيل الذي كانت له وشائجُ آيديولوجية بالكُرد، أو ارتحلوا إلى كُردستان وعاشوا فيها هرباً من قمع سلطة البعث، أو مرّوا عليها طريقَ خلاصٍ إلى المنافي. قد لا يبدو دائماً إمكان الحديث عن حضور الكُرد في الرواية العربية العراقية، إذ يمكن الحديث أيضاً عن غيابهم فيها، فبعض الروايات العربية العراقية لم تنشغل باتخاذ الكُرد أبطالاً، ولا بكُردستان مناخاً وبيئة، ولا بالقضية الكُردية أحداثاً وخلفية. وهي بالأحرى تخلو إجمالاً من معالجة الأزمة الكُردية إنسانياً. ولذا يتأرجح الكُرد بين حضور خجول وغياب تام. لكن بعض الروايات أبدت اهتماماً وتعاطفاً مع الكُرد يلفت الانتباه مقارنةً بروايات عراقية عديدة لم تلتفت إلى أهمية هذه الموضوعة.

إن التفكير مليّاً في الحضور الكُردي في الرواية العربية العراقية يفضي إلى أنه غير متناسب مع حضورهم في الحياة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، الحضور الذي يضرب بجذوره في المجتمع العراقي، فقد عاش، وما زال، ضمن الدولة العراقية لعقود طويلة، وخاض صراعاً مريراً من أجل حرّيته، وقدّم تضحيات في حروب عديدة وطويلة. فضلاً عن ذلك، لا نجد بين الدارسين للرواية والمجتمع مَنْ اقترب من هذه الموضوعة ليبحث علّة هذا الحضور الخجول أحياناً والغياب التام أحياناً أخرى. إذ تخلو مكتبة الدراسة النقدية من دراسة لهذه المسألة ذات الأهمية البالغة. وبالكاد عثرتُ على دراسة مكتوبة باللغة الإنجليزية لباحث إسرائيلي من جامعة حيفا، كان قد درس هذه الموضوعةَ وانتهى إلى نتيجة لا تبدو مقنعة تماماً، وإن كانت مؤسفة. فالباحث لم يستطع أن يستقصي مادة بحثه استقصاء وافياً ليستقريَ من ثمّ بضع نتائج منها. فقد درس مواقف المثقفين العراقيين العرب تجاه الكُرد من خلال الروايات العربية العراقية المعاصرة، لاسيما موضوعة دور هذه الروايات في المساهمة في تشكيل "وحدة وطنية" عبر خلق "مجتمع متخيّل imagined community" يتشاركُ في تصوّراتٍ موحّدة. إن خلاصة هذا البحث ترى أن الكتّاب والمثقفين العراقيين الذين يدّعون رؤية ما وراء الواقع الراهن، فشلوا في بلورة حلول للمشكلة الكُردية عبر أعمالهم الروائية، ببساطة لأن الكُرد لم يكونوا موجودين في عوالمهم الروائية.[31] إن الدراسة تشير إلى هذه المسألة في الروايات المعاصرة فترى أن الكُردي إمّا غائب في أغلب الروايات العراقية، أو محدود الحضور، ويشير الباحث كدليل على محدودية الحضور إلى رواية أحمد السعداوي "إنه يحلم أو يلعب أو يموت" (2008). فظهور شخصيات كُردية في روايات أحمد سعداوي لا تلعب إلاّ دوراً محدوداً في أحداث الرواية، أو أن ملامح اختلافها غير واضحة، إذ تبدو فيها الشخصية الكُردية أقرب إلى العربي منها إلى الكُردي تماهياً مع البيئة العربية التي تعيش فيها شخصية الرواية الكُردية. ولذلك يضمحلّ التمثيل الكُردي في الرواية بفعل تماهي الشخصية الكُردية في مجتمع المدينة الذي يذوّب الخصوصية بتصميم الرواية التي لم تتبنّ موضوعة الحضور الكُردي هدفاً وغاية.

لكن تلك الدراسة تضع استثناء وحيداً في التعاطف مع قضية الكُرد في رواية حميد العقابي "الضلع" (2007). إذ يرى أنه الكاتب الوحيد الذي تناول أكثر الموضوعات حساسية في الصراع مثل العنف والدمار والمسؤولية الأخلاقية. والمواجهة التي يقيمها العقابي بين شهادته على مأساة الكُرد (قبل الأنفال) وشهادته على قتل جندي عراقي عربي تظهر بداية للحوار العربي الكُردي أفضل من محاولات إدخال الكُرد في إطار وطني عراقي.[32] ولا يبدو دقيقاً هذا الرأي، لكنه جاء نتيجة افتقار إلى متابعة دقيقة. فمهما كانت روايات العقابي، في "الضلع"، و"أقتفي أثري" (2009)، تتخذ في نواحٍ معينة من كُردستان بيئة والكُرد موضوعاً، وتضعهما في موضع اعتبار كبير في بناء الرواية، فإن هناك روايات تفعل الشيءَ نفسَه. مع ذلك، فإن رواية "الضلع" تتمتع بميزة خاصة في سردها الوقائع التي تبرز فيها موضوعة الكُرد، وإذا لم يكن البحث يشدّد على النواحي الإبداعية التي تتجلّى في هذه الرواية الرائعة، فإن الانهماك في وصف ما يجري في الواقع وتقديمه سرداً صادقاً يمنحنا صورة عن الكُرد صادقة، بلا تزييف، عن الجمال والقسوة في آن، وعن الحب والحرمان، والجنس والكبت، وعن الانسحاق والإرادة القوية، وعن الدماء في المروج الخضر.

والروايات التي تضارع رواية "الضلع" لحميد العقابي هي روايات سلام إبراهيم "في باطن الحجيم" (2013) و"الحياة لحظة" (2009)، و"الإرسي" (2008)، وعمل يوسف أبو الفوز "تضاريس الأيام في دفاتر نصير" (2002)، وشاكر الأنباري في "ليالي الكاكا" (2002)، وجنان جاسم حلاوي في "ليل البلاد" (2001)، وبرهان شاوي في "الجحيم لمقدس" (كُتبت في 1987 وصدرت في 2012)، وصلاح صلاح في "تحت سماء الكلاب" (2005) التي تنفرد بموقف شوفيني غريب تجاه الكُرد شعباً وساسة وسنأتي على تفصيله وبحثه لاحقاً، وحمزة الحسن في "الأعزل" على نحو محدود و"حقول الخاتون" بشكل أساسيّ[33]، أما رواية "خلف الطواحين" (1991) للروائي عامر حسين، وروايات شاكر الأنباري لاسيما "ليالي الكاكا" فتصوّر مجزرة بشت آشان كلّيّاً في الأولى وجزئياً في الثانية، وما رافقها من مشهد الصراع الدامي بين حزبي جلال طالباني وحزب مسعود البرزاني وراح ضحيتها الشيوعيون. وبالطبع لا يخلو الأدب الروائي العراقي من استثناء عدائي صارخ تجاه الكُرد مع رواية جاسم الرصيف "القعر" (1985)،[34] فضلاً عن رواية صلاح صلاح المذكورة توّاً. جلُّ هذه النتائج بحاجة إلى إعادة نظر وتمحيصٍ يرتكزان إلى قراءةٍ أوسعَ أفقاً، وإلى استقصاءٍ أوعبَ للروايات التي حضر فيها الكُرد بطريقة أو بأخرى. أما الروايات التي كتبها روائيون كُرد بالعربية، فيأتي الباحث على ذكر ثلاثة روائيين لا يوجد في رواياتهم أي نزعة قومية كُردية كما يرى، وهم آزاد الأيوبي في روايته "آفين وانتظار الفجر" (2004)، وزهدي الداوودي في روايته "تحوّلات" (2007)،وهافال أمين في روايته "البوم والمقصّ" (2008).  وهناك روايات أخرى للداوودي يغفل عن ذكرها الكاتب.[35]

في رواية "ليالي الكاكا" لشاكر الأنباري، يكابد البطل ضايع الجريان (سلام) عذابات الجندية كونه يتهيّأ ليكون حطباً لحرب عابثة، ويصارع ذكرياته في قرية الحامضية، ليقرّر الرحيل إلى جبال كُردستان بمساعدة من صديقه المقرّب حلمي الكُردي لتبدأ في منتصف الرواية (ص96) قصة الهرب إلى ناوزنك التي أمّنها له حلمي الذي يسمى "فتى كركوك"، المنتظم في حزب صغير له خلايا ببغداد وبعض المدن الأخرى، ومهمته الأساسية إنقاذ الأشخاص المطلوبين للسلطة بتسهيل خروجهم إلى جبال كُردستان (ص91). لكن قصة الهرب للالتحاق بمقرّ حزب الاتحاد الوطني (ص165) ليشترك البطل في النضال من أجل إسقاط النظام وتحرير البلد (ص135) لم تكن لتحصر الرواية في هذه الموضوعة، بل عالم الرواية أوسع من ذلك، بما أنها تنطوي على موضوعة تشرّد الإنسان واغترابه في كلّ من الوطن والمنفى.

إن صورة كُردستان في هذا الأدب المكتوب بأقلام روائيين عراقيين عرب عاشوا في كُردستان لسنوات يرسم صورة نابعة من تجاربهم المريرة فيها، فقد عاشوا مآسي وحروباً في كُردستان، أو كانت لهم طريقاً صعباً وموحشاً للهرب من الدكتاتورية، لقد كانت منطقة قاتمة بالنسبة لهم. كان في بعض الروايات حضورٌ طاغٍ ولافت للكُرد وقضاياهم وبيئتهم. فعلى سبيل المثال، تحكي رواية "خلف الطواحين" للروائي عامر حسين حكايةالأنصار الشيوعيين في كُردستان، سرد عن مذبحة قرية بشت آشان، التي تأتي الرواية على الإشارة إلى تنسيقها من سلطة حزب الاتحاد الوطني، هذه المذبحة اعتُبرت منسية، والروائي يُخرجها من عتمة النسيان إلى فضاء التذكّر المفتوح، فيضع اسم المذبحة والقرية عنواناً لروايته؛ فاسم القرية "بشت آشان" تعني بالعربية "خلف الطواحين".[36] في الواقع، ليست المذبحة منسية فقط، بل الرواية التي تريد إظهارها منسية أيضاً، كما يشير لذلك حمزة الحسن في مقالٍ كتبه عنها. وأكثرُ الأمور مفارقةً أن كاتبَ الرواية كان من الأنصار الذين يهجمون على ربايا جنود الجيش العراقي الذين كان بينهم كاتب المقال حمزة الحسن، مغلوباً على أمره.[37]أما عملُ يوسف أبو الفوز "تضاريس الأيام في دفاتر نصير" فما من موضوع له غير حياة الأنصار الشيوعيين في كُردستان. وهو كتاب يوميات تفصيليّ، لا يكتفي بالإفصاح عن الهواجس والخبايا الشخصية التي عايشها الكاتب، بل يضعنا في قلب كردستان بيئةً تحتضن الأحداث، فالكتاب كتاب تاريخ لـحياة الأنصار في كردستان.

ثمة في روايات سلام إبراهيم أيضاً التصاق شديد ببيئة كردستان، فقد كانت موئلاً للعيش لسنين طوال. في رواية "الإرسي"، تحضر كردستان حاضنة لسرايا الأنصار التي التحق بها المؤلف في الثمانينيات، إنها خوض في الهواجس الإنسانية وشرورها حتى بين رفاق السلاح. لكن روايته التسجيلية "في باطن الجحيم" هي التي يقدّم فيها وثيقة بالغة الأهمية عن تجربة شخصية عاشها وأراد أن يثبّت وقائعها شهادة حيّة بلا تزويق أو زخرف. إنه يُرينا صورة سردية لما حدث في كردستان حين قرّرت الدكتاتورية أن أنجع وسيلة للقضاء المبرم على الكُرد هو ضربهم بالغازات السامّة. يصوّر سلام إبراهيم بواقعية غير سحرية الضربةَ الأولى بغاز الخردل التي تعرّض لها وزوجته ناهدة جاسم جابر (بهار) ومجموعة من رفاقه الكُرد في 5 حزيران 1987، والضربة الثانية في عمليات الأنفال بغاز الأعصاب في 21 آب 1988.  إنه يضاعف الإحساس المأساوي بالأنفال، لأن سلام إبراهيم حرص على بعد الوثيقة فيما يكتب، إنه يمنحنا حدثاً حيّاً ويعيد علينا المأساة بلا سفاسف أو بلاغات. وكتابته تشفع الوثيقة بالمعاناة وتصويرها التلقائي. ما يجري الحديث عنه في باطن الحجيم هو الحقيقة وليس غير الحقيقة، بقساوتها ومرارتها، حقيقة تعرّض كاتب الحقيقة العربي ومعه الآلاف من الكُرد إلى قصف بالكيمياوي من حكومتهم التي لا يكون وجودها افتراضاً إلاّ لرعايتهم. ليس أمام متلقي هذه الرواية سوى أن يجد نفسه مأكولاً من الغيض والحزن والغضب، فأسلوبها أسلوب لا يدّعي التحليق من أجل خلق فنّي يشاغل المأساة بزخرفتها، أسلوب سلام إبراهيم العفويّ يجعلنا نستنشق معه بالكلمات تلك الغازات السامّة التي عطّلت جهازه التنفسي، وكم مرة شعرت بالاختناق في أثناء القراءة، وتركتُها طلباً لهواء نقيّ خارج غرفة القراءة. لكن رواية سلام إبراهيم "الحياة لحظة" فتحضر فيها كُردستان كذكريات تلاحق البطل في موسكو، حيث يرى فيها شاعراً كُردياً يقصّ عليه بعض أحداث حياته (ص75)، ومجتمعاً من الكُرد (البيشمركة القدامى) يؤويهم في شقته  (ص135)، وحيث يسرد فيها قصة التحاقه بالأنصار الشيوعيين (ص141).

قبل هذه الرواية التسجيلية الصادرة في العام 2013، كُتبت ببغداد في العام 2000 رواية تسجيلية بتكليف من سلطة البعث عنوانها "مستنقع الأفاعي" بقلم عبد الأمير المجر. وقد حرص فيها الكاتب على أن يصوّر، على نحو يدعو للمفارقة، "معاناة" البعثيين على يد "المخربين"، باستعمال مصطلحات المؤلف الذي يساير حكومة البعث، في أثناء انتفاضة العام 1991، فقام بدور "الراوية" الرسمي وليس الروائي، وعكس بالرؤية واللغة والمصطلح رؤيةَ حكومة البعث ولغتَها ومصطلحاتِها بأمانة.

أما رواية "تحت سماء الكلاب" (2005) للروائي العراقي صلاح صلاح، التي أختمُ بها تناولي لحضور الكُرد في الرواية العراقية، فيبدو لي أن فيها كاتبين اثنيْن، أو راويين، أو بطلين. فيها صور سردية جمّة، سرد باهر يحمل معه توقاً إلى بلوغٍ أكمل ما في اللغة من قدرة على تجسيد المشاعر، الكاتب يضع السرد بين عيني قارئ ليحتار في أمر الراوي، ومن هذا السرد الباهر تنزلق الرواية فجأة، وفي محطات لا تُحصى، إلى كتابة تقارير صحفية في موضوع كراهية شعب كامل هو الشعب الكُردي، ثم، ومن دون تهيئة ولا نذير، نرتقي مع الراوي إلى منطقة أخرى، سامية، تترك القارئ، أو تعيد له، تلك الحيرة، فيتساءل تُرى من يكتب الآن، أهو الكاتب نفسُه حقاً؟ لذلك أرى أن الرواية تقوم على اضطراب جليّ، الرواية يكتبها كاتبان، أو يرويها راويان، أو فيها بطلان، أو هما واحد منفصم، يتمرأى في الرواية اثنين، وبدلاً من أن يُجرى بناء الشخصيات الغيرية في الرواية، بنى الراوي شخصيته في انفصام جليّ، فصارت اثنتين. وقد حاولتُ تعضيد رؤيتي بأساس الاضطراب فيها بقراءة رواية أخرى للكاتب نفسه، عنوانها "إستلوجيا" (2010)، فلم أجد إلاّ الاضطرابَ نفسَه، ووجدت في الروايتين اعترافاً بمعاناة الراوي من انفصام الشخصية[38]، والحقّ هو أن السرد المضطرب هو الدليل على الانفصام، وليس العكس.

إذن ثمة ما يلفتُ النظر في رواية صلاح صلاح "تحت سماء الكلاب"، فالرواية هجوم كاسح على الكُرد بشراً وأحزاباً وساسة. ومهما بدا واضحاً أن الرواية سيرة ذاتية، لن أتناول هنا قضية علاقة المؤلّف بالبطل وراوي القصة، والحدود التي تفصل المؤلف عن بطل الرواية، فهذا خارج مدار بحثي وعنايته. ما يهمّني، وانسجاماً مع غايات البحث، كيف تمّ تصوير الكُرد في هذه الرواية. "تحت سماء الكلاب" رواية تبيّن محنة البطل (الإنسان العراقي) وهو يفقد سوّيتَه النفسية ليشنّ هجوماً بأقذع الكلمات على مجموعة بشرية يساويها بالأحزاب والساسة. منذ الصفحة الأولى، تضعك هذه الرواية في قلب كُردستان بيئةً وحياةً. مدن كُردستان التي عاش فيها البطل ومرّ بها (زاخو، أربيل، دهوك، شقلاوة) ووصفها قبل، وبعد، وفي أثناء، هجوم الجيش العراقي على أربيل  في العام 1996 بطلب من قوات الحزب الديمقراطي الكُردستاني (قوات مسعود برزاني) خلال صراعه مع قوات حزب الاتحاد الوطني الكُردستاني (قوات جلال طالباني).

تصوّر رواية "تحت سماء الكلاب" الكُردي قاتلاً لا يهتمّ بالحياة المسالمة وخائناً وعبداً. بل تجرّد الرواية الكُرد من ديانتهم وتُلصق بهم الزرادشتية، وهم وحوش محتلة قادمة أقاصي أرمينيا لتدمير العروبة، وترى الرواية أن ما فعله صدام حسين هو أنه قاد محاولة لأنسنة الكُردي وتمدينه.[39] لا يجد الراوي في النهاية سوى أن يتبنى وجهة النظر البعثية، هو الذي قاسى الويلات من البعث، فيما يتعلق بقضية ضرب الكُرد بالغازات السامة في حلبجة وقضية المقابر الجماعية في الفرات الأوسط والجنوب في العام 1991. فيرى أن المجلس الأعلى والمخابرات الإيرانية هي التي ارتكبت المقابر الجماعية واتهمت النظام العراقي[40]، وأن الفرس، وليس اليهود، هم المأساة الأولى في حياة العراقيين[41]، وأن أجهزة صدام حسين وحاشيته، وليس هو شخصياً، مسؤولة عمّا جرى للعراق[42]، وأن البيشمركة مهّدت لاحتلال الجيش الإيراني لحلبجة، وحينما فشلوا قصف الإيرانيون حلبجة بالأسلحة الكيمياوية.[43]

تنداح مع السرد صورة الكُردي في هذه الرواية التي يرويها راوٍ ذو "حميّة عربية" يقودها مع السرد "حقد مقدّس" يصرّح به في آخر الرواية، في الصفحة 338. مع ذلك، لم تستطع هذه الحميّة أن تدفع حاملها إلى الدفاع عن وطنه حين غزا الأتراك شمالَه أمام عينيه، بل فضّل أن يلملم عائلته مع وصول المبلغ المادي من أحد السياسيين العراقيين المقيمين في تركيا، ليشتريَ جوازَ سفرٍ مزوّراً ويغادرَ، فتنتهي الرواية بمغادرته الوطن. يضغط هذا الاحتلال المزدوج على الراوي، لأنه يرى "المتوحشين" الكُرد، وليس الأتراك فقط، محتلين جاؤوا من أقاصي البحر الأسود وأرمينيا ليحتلّوا مناطق الآشوريين والكلدان والتركمان ذوي الحضارة.

في الرواية سرد تحتيّ يودّ أن يشوّه الحقائق، فقد عهدنا تشويه الحقائق في نصوص وروايات تسجيلية، كما في رواية عبد الأمير المجر التسجيلية "مستنقع الأفاعي"، ففيها تشويه سببه سياسي، وهي أصلاً كُتبت بتكليف من سلطة البعث كما ذكرنا، فصارت بين "حيلة المضطرّ" و"خيانة المثقّف"، لكن رواية صلاح صلاح ينطمر فيها سبب نفسيّ لتشويه الحقائق، فبطلها شوّهتْه المآسي التي عاناها، لنتخيّل كيف أنه هاربٌ من سلطةٍ يدافعُ عنها، ما الذي يمكن به تسمية مثل هذا الوضع؟ بطل الرواية، منذ البدء، بطل مشوّه لحالة مشوّهة، شارك في، وهرب من، حروب صدام، واستنكرها، شقي وجاع، وكتب نصّاً لا يضاهى في معنى رائحة الكباب، واستوحش العالم بعد موت صديقه الشاعر رياض إبراهيم، وعمل في "أسبوعية الاتحاد الوطني"، ومن جوف الهذيان الشيزوفريني يشنّ حملة على الكُرد ويدافع عمّن ورّطه في الحروب وشوّه روحه. ليس في الرواية من منقبة للشعب الكُردي كاملاً، سوى أن جارتَه وزوجَها، اللذين لم يُشر إلى أنهما من الكُرد، ذكرهما في أسطرٍ غافلة، حين كان مختبئاً في منزل بأربيل والبيشمركة يبحثون عن العرب لتسليمهم إلى النظام العراقي، قال عنها "تنبري جارتنا وتجلس أمام البيت بحجة أنها صاحبة المنزل، وكانت تقول للبيشمركة أن لا عرب في الداخل ولا في المنطقة أصلاً. بعد انقضاء أحد عشر يوماً، جاء زوج جارتنا وطمأننا إلى أن دوريات البيشمركة توقفت عن البحث. فزودنا بمبلغ مالي وأوراق جنسية جديدة غيّرنا فيها أسماءنا إلى أسماء كردية".[44] ولنا أن نتأمل المنقذ من الموت ونقارنه بكلّ ما سبق من صور، ولنا أن نضع دائماً في قراءة هذه الرواية قصة الاضطراب والتشوّه النفسييْن لجيل كامل من العراقيين، بينهم الراوي، حطّم الجلاّدُ جَلَدَهم، فتماهوا به من طول العيش تحته، وشدّة الوطأة في كنفه، والمداومة على سحق الروح في كوارثه.

في الختام، أودّ أن أنوّه عبر الخروج من سياق هذا الموقف العراقي الأخير إلى الموقف العربي، بما يمكن أن نجده من رؤية إلى قضية الكُرد ووجودهم بين ظهراني العرب. إننا نجد أن التاريخ لا يسجّل للمثقفين العرب مواقفَ ذات بالٍ تدعم القضية الكُردية، وهذا ما شكا منه الكُرد وقارنوه بخلاف موقف المثقفين الفرنسيين في قضية الجزائر والمثقفين الأميركيين في قضية فيتنام، إذ كان أغلب المثقفين العرب يرون في نزعة الكُرد إلى التحرّر "مؤامرة" و"مشروع انفصال" وحتى "شعوبية". ومثالهم على ذلك ما سجّله الروائي جمال الغيطاني في كتابه "حرّاس البوّابة الشرقية" حين زار كُردستان مراسلاً حربياً[45] ليقوم بـ"وصف للعمليات العسكرية التي خاضتها وحدات الجيش العراقي ضدّ الجيش الكردي العميل...".[46] فهل سيشرع العرب والكُرد في العراق، ومعهم بقيّة الأقليات، في تأسيس مقترب جديد لطبيعة وجود الثقافات المتنوعة، واللغات المتنوعة، والآداب المتنوعة، في عراق لم يعد يطيق الواحدية في كلّ شيء، عراق يعرفُ أن قدرَه التنوّع، وأن الحلولَ لمشكلاته لا تبعد كثيراً عن قبول هذا التنوّع، ودعمه وتنميته.



* حسن ناظم أكاديمي ومترجم، عمل في مجموعة من الجامعات ومراكز البحوث، ويعمل في الإشراف في الكلية الإسلامية للدراسات العليا في المملكة المتحدة المنضوية تحت جامعة مدلسكس، ويدرس مقرّراً دراسياً عن بعد للدرسات العليا منذ العام 2009. نشر ما يقارب ثمانية عشر كتاباً مؤلّفاً ومترجماً وعشرات المقالات والدراسات في مجلات وصحف عربية وأجنبية. من كتبه المؤلفة "الشعرية المفقودة" (2009)، "النص والحياة"، (2008)، "أنسنة الشعر" (2006)، "البنى الأسلوبية" (2002)، "مفاهيم الشعرية" (1994). ومن ترجماته بالاشتراك مع علي حاكم صالح كتب هانز جورج غادامير "التلمذة الفلسفية" السيرة الذاتية لغادامير، (2012)، "الحقيقة والمنهج" (2007)، "طرق هيدغر" (2007)، "بداية الفلسفة" (2002).

[1] ينظر: نزار آغري، كاكا والجدار: الأكراد بين منازلة الجدران وتفيّئها، دار الجديد وكوردنامه، بيروت، 1996، ص47.

[2] المصدر نفسه، ص49.

[3] ينظر في مسألة العوامل التي أدّت إلى هذا الفشل من جانب السلطة القومية بالعراق والأكراد على حدّ سواء، كتاب ميثم الجنابي، فلسفة المستقبل العراقي: معاصرة المستقبل، الجزء الأول، دار الكتاب الجامعي، العين، دولة الإمارات العربية المتحدة، 2010، ص121-129.

[4] See Michael M. Gunter, "The Contemporary Roots of Kurdish Nationalism in Iraq," in: Kufa Review, No.2, Issue 1, Winter 2013, p.41.

[5] ساطع الحصري، مذكراتي في العراق (1921-1941)، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1967، ص457.

[6] ينظر: المصدر نفسه، ص459.

[7] إن اللغة الكردية، حتى الثلاثينيات من القرن الماضي، لم تكن لغة كتابة، وكان استعمالها مقصوراً على الكلام. وعلى الرغم من أنها كانت مستخدمة في المدارس من قبل، حدّدت المادة الثانية من قانون اللغات المحلية، الصادر في العام 1931، الأقضية التي يستعمل فيها القضاء اللغة الكردية، وحدّدت المادة الثالثة جواز التقاضي بالعربية أو الكردية أو التركية بحسب قرار المحكمة، كما نصّت المادة السادسة على ما يلي: "في جميع المدارس الأولية في الأقضية المارّ ذكرُها في هذا القانون تكون لغة التعليم اللغة البيتية لأكثرية طلاب تلك المدارس سواء كانت عربية أو كردية أو تركية".

[8] ينظر نصّ الوثيقة في موقع الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=11506 (في 20 نيسان 2013).

[9] يبدو هذا تاريخاً مبكراً يؤشر نضجاً مبكراً بالنسبة للاعتراف بوجود الكورد قوميةً مستقلة لها حقوق، لاسيما إذا قورن بالتاريخ الذي اعترف فيه الأتراك بالكورد قومية مستقلة؛ إذ تأخّر ذلك حتى العام 2002 حين دخل الحكومةَ حزبُ العدالة والتنمية، وكان لأغراض استئناف الجهود للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. من أجل تفصيل لهذا الموضوع ينظر البحث:

Samuel Holden Garfield, "The Kurdish Struggle for Recognition in Turkey: Towards an expanded Model of Recognition," Jackson School Journal of International Studies, Vol. 1 – No. 1, (Spring 2010), p.23.

وكذلك الأمر مع السياسة الإيرانية التي ترى أن قيام دولة لكوردستان يعني قيام "إسرائيل ثانية". (ينظر: آغري، كاكا والجدار، ص26).

[10] ينظر: دايفس، إريك، مذكرات دولة: السياسة والتاريخ والهوية الاجماعية في العراق الحديث، ترجمة حاتم عبد الهادي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2008، ص194. وينظر أيضاً:

Kirmanj, Sherko, Identity and Nation in Iraq, (Colorado: Lynne Rienner Publishers, 2013), pp.170-72.

[11] ينظر البزاز، عبد الرحمن، العراق: من الاحتلال إلى الاستقلال، دار البراق، لندن، ط4، 1997، ص211.

[12] ثورة 17 تموز التجربة والآفاق،التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي ـ القطر العراقي كانون الثاني 1974، (الطبعة دون تاريخ أو مكان للطبع)، ص69.

[13] التقرير السياسي، ص69.

[14] التقرير السياسي، ص73.

[15] جاء في نصّ قانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان، (المادة الثانية أ،ب،ج،د،هـ) ما يلي: "أ- تكون اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في المنطقة. ب- تكون اللغتان العربية والكردية لغتي التعليم للأكراد في المنطقة في جميع مراحله ومرافقه ويتم ذلك وفقاً للفقرة (هـ) من هذه المادة. ج- تنشأ مرافق تعليمية في المنطقة لأبناء القومية العربية يكون التعليم فيها باللغة العربية وتدرس للغة الكردية إلزامياً. د- لأبناء المنطقة كافة حق اختيار المدارس التي يرغبون التعليم فيها بصرف النظر عن لغتهم الأم. هـ - يخضع التعليم في جميع مراحله في المنطقة للسياسة التربوية والتعليمية العامة للدولة".

[16] تعلّقت الفقرات بتدريس اللغة التركمانية في المرحلة الابتدائية مع وسائل إيضاحها، واستحداث مديرية الدراسة التركمانية في وزارة التربية، ومديرية الثقافة التركمانية في وزارة الثقافة والتعليم، وتأسيس اتحاد الأدباء والشعراء والكتّاب التركماني، وإصدار صحيفة أسبوعية ومجلة شهرية باللغة التركمانية، وزيادة البرامج التركمانية في تلفزيون كركوك. ينظر: عزيز قادر الصمانجي، التاريخ السياسي لتركمان العراق، دار الساقي، بيروت، 1999، ص205-206.

[17] ينظر: الصمانجي، التاريخ السياسي لتركمان العراق، ص205-206.

[18] حكمت محمد كريم (ملا بختيار)، ثورة كوردستان ومتغيرات العصر: نضال الجبال أم انتفاضة المدن، ترجمة الدكتور بندر علي أكبر (أنور مندلاوي)،  منشورات أكاديمية التوعية وتأهيل الكوادر (الاتحاد الوطني الكوردستاني)، السليمانية، ط4، 2012، ص248-249.

[19] Baram, Amatzia, Culture, History and Ideology in the Formation of Ba‘thist Iraq, 1968-89, (New York: St. Martin’s Press, 1991), p.xii, and see Geertz, Clifford, ‘Ideology as a Cultural System,’ The Interpretation of Culture (New York: Basic Books, 1973), p.193.

[20] Baram, p.21.

[21] Ibid., p.138.

[22] Ibid., p.128.

[23] فلاح رحيم، الخطط السردية في كتابة تاريخ العراق الحديث، في: مجلة الكوفة، السنة الأولى، العدد الأول، خريف 2012، ص112. يحيل الكاتب على كتاب ريفا سبكتر سيمون  Reeva Spector Simon في العراق بين الحربين العالميتين: الأصول العسكرية للطغيان (2004) في استكشاف النزعة القومية العربية وتأسيس دولة العراق عليها منذ نشأة الدولة الحديثة في العام 1921. ينظر: المصدر نفسه، ص111-112.

[24] نعمان ماهر الكنعاني، ضوء على شمال العراق، شركة دار الجمهورية للطباعة والنشر، بغداد، ط2، 1965، ص86.

[25] ينظر: المصدر نفسه، ص79، ص91.

[26] ينظر كتاب أرواح في العراق: أنطولوجيا الشعر الكردي الحديث، إعداد وترجمة وتقديم عبد الله طاهر البرزنجي، ديوان المسار للترجمة والنشر، بغداد، 2008.

[27] ينظر: القيثارة والقربان: الشعر العراقي منذ السبعينيات حتى اليوم (مختارات)، تحرير وتقديم سهيل نجم، قدّم له شوقي عبد الأمير، دار ضفاف، أسبانيا، 2013. فهناك قصيدة واحدة طويلة نسبياً للشاعر دلاور قرداغي (ينظر: ص136-139)، وستّ قصائد قصيرة للشاعر لطيف هلمت (ينظر: ص413-416).

[28] ينظر: عواد ناصر، أحاديث المارّة، دار المدى، دمشق – بغداد، 2012، ص238.

[29] يوسف أبو الفوز، تضاريس الأيام في دفاتر نصير، دار المدى، دمشق، 2002.

[30] برهان شاوي، الجحيم المقدّس، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012، ص7.

[31] Zeidel, Ronen, "The Iraqi Novel and the Kurds," in Review of Middle East Studies

Vol. 45, No. 1 (Summer 2011), p.19.

[32] Zeidel, p.29.

[33] في هذه الرواية تظهر منذ البدء في شاحنة تقلّ الغجر (الكاولية) شخصيتان؛ إحداهما ليساري هارب وملاحق بتهمة الشيوعي، والأخرى لكردي هارب أيضاً وملاحق من السلطتيْن، سلطة الدولة التي تتهمه بالعمل ضدّها مع خصومها الأكراد، وسلطة البيشمركة التي تتّهمه بالعمل سلطة الدولة.

[34] Zeidel. P.23.

[35] See: Ibid. P.29-30.

[36] من أجل مزيد من المعلومات عن هذه المذبحة، ينظر كتاب قادر رشيد (أبو شوان)، بشتئاشان: بين الآلام والصمت، ترجمه من الكُردية دارا، دون مكان الطبع، ط2، 2008.

[37] ينظر: حمزة الحسن، مقال "خلف الطواحين: بشت آشان مذبحة حلم نظيف"، صحيفة صوت اليسار العراقي، http://www.saotaliassar.org/Frei%20Kitabat/16102012/HamzaAlHassan001.htm (13 حزيران/يونيو 2013).

[38] صلاح صلاح، إستلوجيا، دار التنوير، بيروت، 2012، ص149.

[39] ينظر: صلاح صلاح، تحت سماء الكلاب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005، ص ص43، 64، 105، 107، 108، 109، 125، 129، 195، 116، 223، 326-327، وغيرها كثير.

[40] ينظر: المصدر نفسه، ص209.

[41] ينظر: المصدر نفسه، ص223.

[42] ينظر: المصدر نفسه، ص216، ص 254، ص268.

[43] ينظر: المصدر نفسه، ص313.

[44] المصدرنفسه، ص31.

[45] ينظر: آغري، كاكا والجدار، ص28.

[46] جمال الغيطاني، حرّاس البوّابة الشرقية، الجيش العراقي من حرب أكتوبر إلى حرب الشمال،  مطابع مؤسسة روز اليوسف، مصر، 1975، ط3، ص3.