NIGHT_CAFE_IN_PARIS_II.jpg

يوم خالدٌ في حياة رجلٍ ميت

صلاح شوان

ت: بمو غريب

في إحدى محاكم مدينة أعماقي، يقف متهمان أمام الحاكم، (لأن المحاكمة الحقيقة تقام خارج المحاكم)، أولهما في الثلاثين من عمره، والآخر كان في منتصف عمر الأول، في الحقيقة كان كلاها شخصاً واحداً، ولكن كل منهما في عمر مختلف، أولهما كانت جريمته اكبر، ولهذا كان اكبر عمراً، شخصٌ واحد ذو عمرين يقفان أمام حاكم صامت بلا لون أووزن، كل منهما يفكر بطريقته، (لأن ما من أحد يستطيع أن يسبح في نفس مياه النهر مرتين).

دخل رجلٌ مضطربٌ بلا مبالاة شديدة المقهى، في البداية تصورته أحد رجال التلفزيون وقد خرج منه، ولكنه لم يكن منهم، كان عددهم كاملاً، ينفذون بصورة منتظمة أعمالهم غير المرتبة، والناس حولي يقهقهون ضاحكين بكائهم، ارتمى الرجل على أريكة خشبية، منشغلاً بالنظر إلى ما حوله، كمن يخشى شيئاً أو يبحث عنه، حضر في هذه اللحظة عامل المقهى و(صلصل) بعدح الشاي و وضعه على المائدة أمامه. بصق على الأرض وشتم مهمهما عامل المقهى وكل اللذين يشملهم الشتم بشتائم ثقيلة- وفي إن الحقيقة شتائمه تشملني أيضاً- وقبل أن يدير الملعقة في القدح ويذوب السكر سكب نصفه في الصحن الصغير تحت القدح ورفعه إلى فمه، وبدلاً من أن يميله إلى فمه سكبه على الحائط. وكذلك فعل بالنصف الآخر.

(هذا الرجل ما عاد بحاجة إلى الشاي، ماعاد بحاجة إلى اشياء كثيرة أخرى، الحذاء، القبعة، الشرف، الإحترام وأشياء كثيرة أخرى).

في حينها كان يمتلك كل هذه الأشياء ولكنه باعها في عام الغلاء كلها إلى أحد الملالي لقاء رغيف من الخبز.

(سمعت هذا منه بالذات).

ثم نهض وغادر من غير أن يدسَ يده في جيبه كالناس ويخرج قطعة نقدية ويتركها لصاحب المقهى- لأنه كان يعتبر هذا عملاً جائراً في حق صاحب المقهى.

(استنتجت هذا من خلال تفكيري به).

حين عرف صاحب المقهى أنه لم يشرب الشاي، لم يشعر بالأستياء. و لقدعبر هو الزقاق كله. وصل الشارع العريض و ثمعبره من غير ان يبالي بمرور السيارات، أنهكه الجوع بحيث لم يعد ينتبه لشيء أكثر من أن يأتي أحدهم فيمسك يده ويقوده ليشبعه، ولهذا حين أحس بيدٍ تضغط بقوة على ساعده التفت اليه ضاحكاً، كان أحد أفراد شرطه المرور.

عاد به حيث أتى و سلمه إلى شرطي أضخم كرشاً منه، (لأنه كان جائعاً فقد كان ينظر بإستمرار إلى بطون الناس). ملأ الشرطي الثاني قصاصة ومدها إليه قائلاً:

-أخرج ديناريك، عفط له قائلاً:

-أخذها مني أبوك.

احتار الشرطي ذو الكرش الكبير بين الغضب و الضحك:

-حسناً، من هو أبي؟

-مثلك كبيرا البطن، في عام الغلاء سقط تحت كيس من الطحين ومات في مكانه، ذلك المقبور القذر البراز، (هذه المرة ضحك الشرطيان مقهقهين معاً).

-وأخذ معه إلى القبر ديناران. (هذا الرجل كان حرساً للرجل- للمقبور القذر – وظل معه مدة طويلة جداً حتى ادخرَّ الدينارين، فأخذهما معه إلى القبر، لأن هؤلاء بحاجة في القبور أيضاً إلى النقود).

إنفلت من الشرطي وهرب عابراً الشارع مباشراً، ورغم كل إمعانه في التفكير عجز عن الأقتناع أن ثمن خطواته المعدودة لعبوره الشارع هو ديناران.

-من لم يكن (حماراً) لا يصدق هذا. (ولكن كل الناس إقتنعوا بهذا).

ظهر أن أمراً مهماً مرَّ في خاطره، ولهذا هرع عائداً وهو يهرول إلى الشرطة، وكادت عدة سيارات أن تدهسه. تشبث بالزرَّ فوق كتافية قمصلة الشرطي الأول وقال:

-أخرج ديناريك.

أفلت الشرطي يده و دفعه بقوة. وكاد أن ينقلبَ على ظهره، إلا أنه لم يكف عن الكلام، وصل إليه الشرطي الآخر، وبعينين محمرتين أرعد فوقه:

-ما الذي تريده هذه المرة؟

-ديناريَّ...

-ديناري أبي؟

-وماذا عن ديناري عبوره حين أتى وجرجرني اليك، (وتشاجر الضحك مع الغضب ثانية في صدر الشرطي ذو الكرش) فاحنى رأسه كضابطٍ مهزوم في الحرب، وعاد بنفس الطريقة.

-ديناري أبيه، أنا أقول أنه أخذها معه إلى القبر، ظانا أنه وريثه.

أدى التعب بالإضافة إلى الجوع إلى إنهياره، رفع عينيه ورأي في الجانب الآخر ساحة واسعة مغطاة بالعشبِ، عبرَ، على الرغم من صياحهم الملحاح، رفع ساقه فوق السلاسلِ واتجه عابراً إلى الجهة الثانية. كان حشد من الناس ومجموعتان من الشرطة ومن هم على شاكلتهم قرب شاحنة. أندفع من غير خوف إلى داخل الشاحنة، وحملوا الآخرين بعده إلى الشاحنة وأخذوا يدورون في الشوارع.

إستمتع كثيراً بهذا، ماعاد يذكر متى ركب السيارة آخر مرة وخاصة الشاحنة الخضراء.

-ربما يأخذوننا إلى الحج، آنذاك سيرضى عنا الله أيضاً، رضى أم لم يرضى (إلى حيث..)

ثم سقط ونام.

ومع نغزات رجل ٍ كالحٍ فتح عينيه، تصور أنه وصل (مكة و المدينة)- فديتهما- ومد يده إلى يد الشرطي، ( ولأنه كان يرتدي ملابس خضراء) تصور أنه من نسل النبي- فديته- ولكن الرجل جره إلى الأسفلِ، وتصور (أنهم يسقوه من ماء زمزم – وبهدوء سار مع الرجال وسار معه، في غرفةٍ كان يجلس رجلٌ ثيابه كلها خضراء نظيفةً- والله وحده يعلم بماذا كان يفكر هذا، لأنه كاد يفقد وعيه من شدة الفرح.

-ما أسمك؟

(لوكان هذا الذي كل ملابسه خضراء ذا شأن، لعرف اسمي، لأنني مسلم).

-أنا مسلم، بالله مسلم، كيف لا تعرفُ إسمي؟ وأجهش بالبكاء.

(وأكتشف في الزنزانة أن هذا أيضاً شرطي ويطالبه بالدينارين)، وحين سار في الطريق ليخرج من مركز الشرطة، كان يفكر في نفسه.

-كان هذا الرجل شرطياً، وتصورت أنه يمتهن مهنة أخرى؟ ولماذا لم اتصور الشرطة ملائكةً؟

-وإذا كان حاكماً فلم لا يعرف إسمي؟ هل أنا تافهٌ إلى هذه الدرجة؟ أم أن هؤلاء سذج وجهلة؟

-وأنالست على هذه الدرجة من التفاهة والغباء والله يا صاحبي نعم، أنا حمارٌ وأكثر.

قهقهة ضحكة حادة أدمت أعماق منتصف الليل، ثم فقد الليل الوعي وانهار فوق الرجل المجنون، لكن هذا استمر في تساؤلاته حتى اشرقت الشمس في نهاية الشارع الطويل.


ئەم بابەتە 76 جار خوێندراوەتەوە