atb.jpg

النهيبة في المجتمع الكردي

عبدالله طاهر البرزنجي*

من الكتب النادرة التي صدرت حول ظاهرة النهيبة في واقع المجتمع الكردي وحياة المرأة الكردية، هو كتاب الكاتب والأرشيفي الجاد بوار نورالدين الذي يحمل عنوان (النهيبة في المجتمع الكردي) إذ اعتمد في طروحاته وتوجهاته على مصادر كردية وعربية وفارسية هامة. ما زاد من أهمية الكتاب هو تعويله على جداول ومقابلات ميدانية حية مع عدد من الكُتاب ، وأشخاص لديهم خبرات ومعلومات اجتماعية عميقة حول ظاهرة النهيبة.

يتألف الكتاب من مقدمة بقلم الكاتب شيرزاد حسن وستة فصول.

في البداية يشير الكاتب الى أهمية البحث والمعوقات التي تبرز أثناء انهماك الدارسين في دراسات تستهدف البنية التقليدية السائدة للأسرة في المجتمعات الاسلامية والشرقية، منها المجتمع الكردي الذي يتعسر عليه للآن أن يُسهل الامور أمام الباحث كي يتناول بحرية تامة مواضيع اجتماعية عويصة مثل ظاهرة نهب وخطف النساء، ويشكل الدين عائقاَ آخر أمام سعي الباحث، كما تشكل السلطات بقوانينها والحدود المرسومة التي فرضت على الباحثين عدم اختراقها ، جانبا آخر من الصعوبات.

لاتزال الأسرة في شعوب المنطقة تحافظ على بنيتها التقليدية الصارمة التي ترفع من منزلة الرجل وتقلل من شأن المرأة، فتضعها في منزلة أدنى، ما يؤدي الى حصول الرجل على امتيازات هامة تحرم منها المرأة، فالعادات والتقاليد الدينية والاجتماعية والإدارية أيضاَ تدعم هذه الهيكلة وتغذيها، لذا سادت وهيمنت الى أن نالت منها شيئاَ فشيئاَ عوامل التقدم والرقي الفكري والأداري الحديث وتحسن الحالة الاقتصادية فاشتدت الحاجة لإعادة النظر في الحد من سطوة تلك الصرامة الاجتماعية.

يستمد مفهوم الزواج في المجتمع الكردي أسسه من الدين والبنى الاجتماعية التي تحدد خطوطاَ عامة يسير عليها أفراد المجتمع، إلا ان البعض وخاصة في بعض المناطق الكردية لا يسايرون تلك الأسس ، بخاصة عندما لا يستجيب بعض الآباء لرغبة بناتهم، فتسد أمام الفتى والفتاة كافة السبل الشرعية والقانونية، فيضطران الى الهرب بعد تحديد موعد لذلك، فيختفيان لمدة ويغيبان عن الأنظار، وفي معظم الأحيان يلجأ كلاهما الى مكان آمن عند رئيس عشيرة أو شيخ من رجال الدين ليتوسط لهما لدى والد الفتاة ويرأب لهما الصدع.

إن هذه الظاهرة كانت توجد في البيئة العربية والتركية أيضاَ، خصوصاَ في الأزمنة الغابرة.

فاذا كان البعض يعتبر هذه الظاهرة القديمة خروجاً على الإطار الاجتماعي فان هناك من يعتبرها ويسجلها نوعا من تمرد المرأة النهيبة على سلطة الأب ، وجرأتها على كسر قيود الصمت ورفض الخضوع والاستسلام.

يذكر الكاتب تقاليد الزواج وأنواعه لدى الكرد ويركز على عيوب الضروب غير السليمة التي تلحق أكبر الضرر بحياة الفتاة ونزوعها نحو الحرية لاختيار شريكها وفتى أحلامها، منها مثلاَ زواج الشغّار وهو أن يزوج الرجل ابنته أو أخته، على أن يزوج الآخر ابنته أو أخته، ليس بينهما مهر ويعزى سبب اطلاق الشغّار على هذا النوع من الزواج الى خلوه من المهر، وهو زواج تعود جذوره الى المجتمع الجاهلي وشاع بعد انتشار الاسلام بين الشعوب المسلمة، وعلى الرغم من تحريمه في الاسلام، الا انه لايزال مألوفاَ في بعض المناطق النائية بعيداَ عن سلطة القوانين المدنية. ويُعتقد ان العامل الاقتصادي والمالي هو الذي يكمن بالدرجة الأساسية وراء اللجوء الى زواج الشغّار، فالفقر والفاقة تدفع الرجال الى تبادل الأخت أو الأبنة كسلعة تجارية، اضافة الى تدني أو غياب الوعي لدى الذكور، علماَ ان هذه الاساليب المتبعة المتخلفة من التقاليد تغيب في المدن والمناطق الحضرية بسبب الرقي وانتشار الوعي بين المواطنين.

هناك نقص واضح في الدراسات التي تناولت مسألة النهيبة اثناء الوقوف على الجانب اللغوي لها، اذ لا يميز كُتابها بين عدة مفردات لغوية لها علاقة وطيدة وقريبة بمفردة النهيبة، فيضعون النهب والسلب والخطف في خانة واحدة بدون النظر الى الدلالات المختلفة لها. نقول: نهيبة، مخطوفة، منهوبة ومستلبة هي كلمات ذات هيئة وأشكال مختلفة، الا انها تتقارب مع بعض الإختلاف على مستوى الدلالات، وتتضمن نوعاَ من القهر والأرادة المستلبة والتسلط، ولكن هناك فوارق كثيرة بين المرأة المنهوبة أو النهيبة التي تعني من تتفق مع شاب لأختيار الهرب طريقا لحل مشكلتهما بعد ان تسد بوجههما كافة السبل الشرعية والقانونية، وبين من تُختطف عنوة من قبل رجل جائر أو آغا متسلط وقاس دون ابداء رغبة من قبل الفتاة.

هذه المفردات كلها تتضمن معنى من الهرب والخطف، لكن التي تعنينا (هرب الفتاة مع الفتى) تحمل ضرباَ من التآلف والتوافق والتحبب والرغبة الثنائية الصادرة من الطرفين كليهما.

صحيح ان هذه العملية ناجمة من سطوة الرجال وقساوة المجتمع البطرياركي ازاء المرأة الا انها إرادة نقية ومواجهة واضحة وعامل قوة وحراك اجتماعي لنفي مظاهر الأستبداد.

لقد أحسن الكاتب صنعاَ حين أفرد صفحات عدة للتفسير اللغوي لكلمة النهيبة (ره دوو) وكلمات أخرى ذات معان مماثلة.

تعني (ره دوو) في اللغة الكردية الفتاة التي تتبع الرجل وتلحق به، أي انها تختار الفتى وتشاطره الهرب بمحض ارادتها، وهنا وحسب هذا التفسير لا يكون الرجل جائراَ وتخلو العملية من كل أنواع الأفعال القسرية، بعكس الانواع الأخرى التي تحمل معنى الأكراه والعنف والقوة.

أغنى مؤلف الكتاب بوار نورالدين جهده بمراجعة أهم الكتب والدراسات التي تناولت ظاهرة النهيبة واستعرض تعاريف كتابها، ليناقشهم واحداَ واحداَ بدون أن يغيب عن ذهنه إسم احد ممن كتبوا في هذا المجال، بغية استعراض طروحاتهم وتصحيح ما كان بحاجة الى التصحيح واستحضار ما فاتهم ، كما دعمه بتوثيق عشرات الأغاني والحكايات الفلكلورية الشائعة في تاريخ الكرد تناقلتها الألسن وهي تصور عذاب وشوق الشباب والشابات أثناء التنائي والبعاد والعلل الجائرة التي تؤدي الى التشرد وعدم الوصال. بجانب الأغاني والحكايات المنشورة ،هناك أمثال كثيرة سعى الباحث لجمعها معتقداَ انها تبين وتدعم موضوع البحث وتخلو على الاغلب من صوت الأنثى، وأغلب الظن ان أفكار و أصوات الذكور تهيمن عليها، الا انها تدل على الواقع البائس لمن تتفق مع حبيبها على عدم الخضوع لأرادة الأب أو الأخ بعد ان تنفد كافة الحلول.

1- لاتكوني زوجة للآغا، بل اقترني براع أبيّ حر.

2- لو كنت وسيمة وذات طلعة بهية لكنت نهيبة.

في المثل الأول خطاب موجه من امراة أو فتاة الى أخرى تشجعها لتجنب الرجال الأثرياء كيلا تنخدع بأموالهم ومنزلتهم الاجتماعية الرفيعة، فهي سراب وقيود وأغلال، بل ان الحياة الحرة السعيدة يوفرها راع فقير هائم وراء الطبيعة ويُقدر على أحسن وجه جمال المرأة وحسها الفائق.

وأحياناَ كان الناس يعيرون المرأة في بعض المناطق بالمثل الثاني متوخين وجهين مختلفين له، الأول ايجابي لأن القصد من استعماله هو تعظيم جمال المرأة النهيبة وشجاعتها، فهي قادرة على اختراق ونفي المسكوت عنه، أما الوجه الثاني فهو سلبي، بخاصة عندما يوجه الى امراة أو فتاة لا تملك شيئاَ كافياَ من الجمال تجتذب به قلوب الرجال. وفي كل الأحوال يثبت المثل اعتراف المجتمع ضمنياَ بقيمة المرأة النهيبة رغم تمردها على الأعراف الاجتماعية.

وعلى الرغم من ازدراء المجتمع هذه الظاهرة الاجتماعية لكونها تخالف الأعراف وتجلب الكوارث والعداء والتباعد بين العشائر والجماعات المعنية، فان هذا المثل الشائع وأمثال أخرى مماثلة تؤكد جدوى هذا الضرب من التمرد بخاصة حين يطلب الشاب أكثر من مرة حسب الاصول الدينية والأعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة يد الفتاة فيرفضها الوالد.

أما قولنا فيختلف حول قيام رجل بخطف امراة متزوجة لها بيتها ورجلها وأولادها، يُكرهها رجل ثري ويخدعها بكلماته المعسولة فتهجر عشها الآمن ورجلها وأطفالها الصغار.

مقتطفات من مقابلات أجراها المؤلف ميدانياَ حول الموضوع :

- لماذا اخترت الهرب مع حبيبتك؟

• كنت أحبها كثيراَ، طلبت يدها رفضني اهلها.

- كم مرة طلبت يدها؟

• أكثر من مرة، قالوا نحن نختار زواج الشغّار فرفضت أن أعيد الكرّة فاتفقنا على الهرب. كانت تحبني، لا يمكن ان يتم ذلك بالإكراه.

- كيف انجزت العملية؟

• أوان الغروب لقيتها، قلت لها ان والدك يرفضني لابد من ترك العلاقة، قالت لا يمكن ان تهجرني، سنبقى معاَ في الحياة والموت، حينذاك قلت ما دمت مصرة لا أتخلى عنك، سنذهب ونتركهم.

- متى وكيف قمتما بذلك؟

• عام 1986 حوالي السابعة مساء.

- من أين والى أين انطلقتما؟

• من مجمع (به سته سين) قصدنا ناحية (سنكسه ر) مشياَ على الاقدام.

- الى اين ذهبت بها، أقصد الى أي منزل أو بيت آويتما؟

• لجأنا الى بيت (حاجي ئاغا) فهو من نبلاء المنطقة.

- هل استشرت به قبل ذلك؟

• نعم، فقال لنتدخل ونطلب يدها لك، قلت لا داعي لذلك. وبقيت المسألة معلقة لمدة ثلاث سنوات لم نتصالح خلال تلك الفترة.

- ألم يسع حاجي آغا لحل المشكلة عن طريق التصالح؟

• وكيف لا؟ غير انهم لم يستجيبوا لذلك. وفيما بعد جاء أهلي وقالوا لابد من التصالح وألا فان المسالة تبقى عالقة وستكون لها عواقب وخيمة.

- متى عقدت القران؟

• عندما ذهبت الى بيت حاجي آغا، تم ذلك هناك.

- يعني اذا لم تكن النهيبة أمرأة متزوجة يمكنهما عقد القران على الفور، أما اذا خُطفَت امراة متزوجة فلا يمكن أن يتم عقد القران الا بعد تسوية المشكلة وحلها عبر اللجوء الى التصالح.

- كم طال بقاؤكما في بيت حاجي اغا؟

• مدة ثلاث سنوات، ثم عدنا الى الأهل.

- بأي طريقة تم التصالح؟

• طلبوا منا ثلاث فتيات. قالوا: اثنتان مقابل فتاتنا المخطوفة، والثالثة مقابل قيام ابنكما بمس كرامتنا وسمعتنا بسوء.

- هل عقدوا القران على الفور؟

• نعم.

- هل كن صغيرات؟

• نعم، كلهن، كن صغيرات نائمات في المهود.

- هل تم ذلك عن طريق الملا؟

• ومن سيكون غيره. الآن انهن شابات وكبيرات في السن، طلبت من أهل زوجتي ان يبادروا الى اخذهن او يطلقوا الثلاثة، لكنهم لا يتحركون، أشعر بالذنب ازاءهن. انا مستعد لتحريرهن عن طريق المال، لكنهم يطلبون مبلغاَ ضخماَ يصعب عليّ دفعه.

- وماذا عن أنواع اخرى من الخطف؟

• قبل سنتين خطف شاب فتاة جاء بها الى بيت أبي، لكن الفتاة المسكينة شنقت نفسها...!

- ربما لم تكن نهيبة بل مختطفة؟

• في كل الأحوال يمنع لدينا ذلك، فاذا اقدم شخص على ذلك سينتزعون منه الفتاة بالقوة، عندما تخطف لدينا فتاة، يبحث عنها أهلها، يسألون، ويستنطقونها ليعرفوا هل تم ذلك بمحض ارادتها أم تم بالقوة والإكراه. اذا كان ذلك باختيارها سيدعونها وشأنها واذا تبين انها اجبرت ولَم يتم بارادتها وميلها الى الرجل فيسارعون الى أخذ فتاتهم.

- وهل يقتلون الفتاة بعد ذلك؟

• كلا، لان الفتى أجبرها بدون موافقتها ورأيها.

وأخيراَ، لابد أن أسجل التقدير المتميز لجهد الكاتب بوار نورالدين الذي عُرف باخلاصه لعمله ومثابرته وجرأته في تناول موضوع حساس واجراء مقابلات حية مع المعنيين بالموضوع تحدثوا فيها بصدق ووضوح.علما انه أشبع هذا الموضوع الحساس بمقالات ودراسات أخرى ،وانتقد في كتاب خاص اطروحة أكاديمية لأستاذ جامعي حول الموضوع المذكور.

الجوائز التي نالها الكاتب بوار نورالدين:

1- جائزة أفضل كتاب لعام 2004 (في المجال الفني) من وزارة الثقافة عن كتابه (الصوت الانثوي في الأغنية الفلكلورية الكردية).

2- الميدالية الذهبية في احتفالية ذكرى خمسين عاماً على وفاة الملك الشيخ محمود الحفيد سنة 2006.

3- جائزة تقديرية من وزارة الثقافة باقليم كردستان العراق سنة 2016 (ككاتب نموذجي).

4- جائزة الأكاديمية الكردية 2016، كمعد لأوسع بيبلوغرافيا للكتب الكردية.


ئەم بابەتە 54 جار خوێندراوەتەوە